أخرى في إثبات الصفات [1] . فالآية التي بترها فيها رد على باطله، في إثباتها لصفتي السمع و البصر، و فعله هذا هو من فعل أهل الأهواء، و ليس هو من فعل العلماء العدول الموضوعيين الراسخين في العلم.
و ثامنا إن للانحراف المنهجي لدى المتكلمين مظاهر أخرى أشار إليها بعض المحدثين، فذكر ابن قتيبة أن المتكلمين يقولون على الله بلا علم، و يخوضون بعقولهم و قياساتهم و أذواقهم في مسائل غيبية لا يعلمها إلا نبي يُوحى إليه من الله تعالى. و يتهمون المحدثين في النقل و لا يتهمون آراءهم في التأويل. و لم يردوا المتشابه و المشكل من الكتاب و السنة إلى أهل العلم ليوضحوا ما أُشكل عليهم [2] .
و قال أبو سعيد الدارمي: إن منهج هؤلاء يقوم على المغالطات و التشكيك، و التلبيس على الناس أمر دينهم [3] .و ذكر ابن خزيمة أن منهج الجهمية يقوم في أساسه على عدم الإيمان بالقرآن، و تحريف الكلم عن مواضعه، تشبها باليهود [4] . و قال الحافظ اللالكائي (ت418ه) : إن المعتزلة أقاموا منهجهم على أساس رد ما في نصوص الشرع و الطعن فيها، و الخوض فيها بالتأويلات البعيدة و ضرب بعضها ببعض. و أنهم تفكّروا في الكون بعقل مغلوب و فهم مقلوب، و احتكموا في آرائهم إلى شيوخهم، و استهزؤوا، بكتاب الله و سنة رسوله [5] .
و تاسعا فإن أصحاب الحديث لم يكتفوا بانتقاد منهج المتكلمين في أصوله، و إنما أشاروا أيضا إلى آثاره السلبية و أسباب انحرافه. فمن آثاره السيئة ما ذكره ابن قتيبة، من أنه كان سببا في اختلافهم فيما بينهم، فهم من أكثر الخلق اختلافا، لا يجتمع منهم اثنان من رؤسائهم على أمر واحد في الدين، و ليس منهم واحد إلا و له مذهب يدين به و له عليه أتباع [6] . و ذكر بعض أهل الحديث أن ذلك المنهج المنحرف أوصل أتباعه إلى الجهل و الزندقة و الكفر و التعطيل، و إبطال الكتب و الرسل و تحريف الكلم عن مواضعه، و نفي الصفات و تكفير من يثبتها، و تأويل القرآن على غير تأويله، و تكذيب الأحاديث النبوية، و تشكيك الناس في عقائدهم. و أوصل أتباعه أيضا إلى إتباع الهوى لا العلم، و الخوض فيما لا يُدركه العقل، و إنكار العقائد الإسلامية كالجنة و النار، و عذاب القبر [7] .
(1) نفس المصدر، ص: 99.
(2) تأويل مختلف الحديث، ص: 20، 21.
(3) الرد على الجهمية، ص: 22.
(4) كتاب التوحيد، ص: 261.
(5) أصول اعتقاد أهل السنة و الجماعة، ج1 ص: 9، 10.
(6) تأويل مختلف الحديث، ص: 21.
(7) انظر: احمد بن حنبل: الرد على الزنادقة، ص: 20. و الدارمي: المصدر السابق، ص: 23.و الخلال: السنة، ج1 ص: 559. ابن خزيمة: كتاب التوحيد، ج1ص: 22. و البربهاري: شرح كتاب السنة، ص: 101.و ابن تيمية: مجموعة الر سائل ج7 ص: 66.