أوجه كثيرة في استدلالهم بمنطق العقل و الإيمان في ردودهم على أهل الكلام، أولها أن أبا سعيد الدارمي عندما أثبت صفة النزول و ذكر إنكار الجهمية لها و قولهم: كيف نزوله هذا؟، ردّ عليهم بقوله: (( لم نُكلّف معرفة كيفية نزوله في ديننا، و لا تعقله قلوبنا، وليس كمثله شيء من خلقه فنًشبّه منه فعلا، أو صفة بفعالهم و صفاتهم، و لكن ينزل بقدرته و لطف رُبوبيته كيف يشاء، فالكيف منه غير معقول، و الإيمان بقول رسول الله -صلى الله عليه و سلم- واجب، و لا يُسأل الرب على ما يفعل كيف يفعل و هم يُسألون، لأنه القادر على ما يشاء يفعله أن يفعله كيف يشاء، و إنما يُقال لفعل المخلوق الضعيف الذي لا قدرة له إلا ما أقدره الله تعالى عليه: (( كيف يصنع؟ و كيف قدر؟ ) )؛ ثم ذكّرهم بأن قول الرسول-عليه الصلاة و السلام- في نزوله سبحانه و تعالى، ليس بأعجب من قوله عزّ و جلّ: (( هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام و الملائكة ) )-سورة البقرة/210 - ،و (( و جاء ربك و الملك صفا صفا ) )-سورة الفجر/22 - ، فكما يقدر على هذا يقدر على ذاك [1] .
ثم خاطبهم بمنطق التحذير و الإلزام و الإيمان بقوله: (( فهذا الناطق من قول الله عزّ و جلّ، و ذاك من قول رسول الله -صلى الله عليه و سلم- بأخبار ليس عليها غُبار، فإن كنتم من عباد الله المؤمنين لَزِمكم الإيمان بها كما آمن بها المؤمنون، و إلا فصرّحوا بما تُضمرون، و دعوا هذه الأغلوطات التي تلوون بها ألسنتكم، فلئن كان أهل الجهل في شك من أمركم، إن أهل العلم من أمركم لعلى يقين ) ) [2] . و قوله هذا فيه إلزام منطقي قوي يُلزم الجهمية، لأن موقفهم ينطوي على تناقض صارخ، فإن كانوا مؤمنين عليهم أن يخضعوا للشرع و يُسلّموا و يستسلموا له، و إن لم يكونوا كذلك فليعلنوا أمرهم ليُخاطبهم خُصومهم بالمنطق الذي يناسبهم.
و الوجه الثاني هو تصوّر دعوى الخصم عقليا لإظهار بطلانها، فعندما زعم الجهمية أن الله تعالى لا يتصف بأية صفة، و أنه بذاته في كل مكان، ردّ عليهم أبو سعيد الدارمي بقوله: (( فنظرنا في صفة معبودهم هذا، فلم نجد بهذه الصفة شيئا، غير الهواء القائم على كل شيء الداخل في كل مكان، فمن قصد بعبادته إلى إله بهذه الصفة، فإنه يعبد غير الله، و ليس معبوده ذاك بإله ) ) [3] .
و عندما زعمت الجهمية أن الله تعالى لا صفة له، و أنه لا يُرى و لا يفعل، و لا غاية له و لا منتهى، و لا له أعلى و لا أسفل، رد عليهم الإمام احمد بن حنبل مبينا أن زعمهم هو أمر قد عرف أهل العقل أنه لا شيء، فانكشفوا أمام الناس من أنهم لا يؤمنون بشيء، و إنما يدفعون عن أنفسهم الشناعة بما يُقرون في العلانية [4] .
(1) الرد على الجهمية، ص: 94.
(2) نفسه، ص: 94.
(3) نفس المصدر، ص: 135.
(4) الرد على الزنادقة، ص: 21.