و قد أورد عبد الله بن أجمد بن حنبل (ت290ه) -في كتابه السنة- أقوالا كثيرة لأهل الحديث من التابعين و تابعيهم، في ذم المتكلمين و الرد عليهم [1] ، منها قول سفيان بن عُيينة: (( القرآن كلام الله، من قال مخلوق فهو كافر، و من شك في كفره فهو كافر ) ).و قول محمد بن إدريس الشافعي (ت204ه) ، فإنه لما قرأ قوله تعالى: (( بسم الله الرحمن الرحيم ) )، قال: من قال إن الله -في الآية- مخلوق، و الرحمن مخلوق، و الرحيم مخلوق، فهو زنديق. و كان عبد الرحمن بن مهدي، يقول: (( من زعم أن الله لم يُكلّم موسى يُستتاب، فإن تاب و إلا ضُربت عنقه ) ) [2] .
و إنهاء لهذا المبحث، يتبين منه أن المحدثين قد احتجوا على خُصومهم من المتكلمين بأقوال الصحابة و التابعين و تابعيهم، لأن أقوالهم لها أهميتها في قضايا أصول الدين و فروعه، فهم و إن لم يكونوا معصومين من الخطأ، فهم أكثر صوابا و فهما للدين و تشربا لروحه من غيرهم، فالصحابة الكرام قد تلقّوا الدين عن رسول الله، و عنهم أخذه التابعون، و إجماعهم حجة.
الأساس الرابع: انتقاد منهج المتكلمين:
انتقد أصحاب الحديث المتكلمين في منهاجهم الفكري الذي بنوا عليه مذاهبهم الكلامية، و بينوا انحرافه عن المنقول و المعقول معا، و أشاروا إلى آثاره السيئة على أصحابه و على غيرهم من الناس. فمن ذلك أولا إنهم عابوا على المتكلمين خوضهم في علم الكلام إتباعا للهوى لا للعلم [3] . بمعنى أنهم أقاموا منهجهم على الهوى لا على العلم، و يُؤيد ذلك اعتراف المتكلم بِشر المريسي (ت218ه) ،و ذلك أنه عندما ناقشه الإمام الشافعي و طالبه بالأدلة من القرآن و الحديث و آثار السلف ليُبرر خوضه في علم الكلام، لم تكن معه أدلة من ذلك، و قال للشافعي: إنه لا يستطيع أن يخوض في غير علم الكلام، لأن له فيه نهمة [4] .
و ذكر أبو سعيد عثمان الدارمي (ت280ه) أن المتكلمين يخوضون في القرآن بأهوائهم خلاف مُراد الله تعالى منه، و خلاف لغة العرب؛ و قال أنه تبيّن له من مناظرته لبشر المريسي أنه كان يحتكم إلى هواه لا إلى القرآن و الحديث، و لا إلى أقوال السلف [5] .
لذا أطلق عليهم أصحاب الحديث اسم: أهل الأهواء [6] ،و هم يعدون أنفسهم من أرباب العقول و النظر، و يلحقون من عارضهم بأهل الحشو و الخرافة. و الحقيقة أن الذي يُعاند الشرع و يجعله وراء
(1) انظر مثلا: ص: 11 و ما بعدها.
(2) نفس المصدر، ص: 13، 14، 16.
(3) الدارمي: الرد على الجهمية، ص: 25.و الخلال، السنة، ص: 559.
(4) الخطيب البغدادي: تاريخ بغداد، ج 7 ص: 64.
(5) الدارمي: المصدر السابق، ص: 25.و ابن تيمية: درء تعارض العقل و النقل، ج 1 ص: 264 - 265.
(6) الخلال، السنة، ج 1 ص: 559.