الصفحة 14 من 52

احتج المحدثون -في ردهم على المتكلمين- بأقوال السلف الأول من الصحابة و تابعيهم من أئمة أهل السنة، و طالبوهم أيضا بأن يأتوا بآثار عنهم لدعم مزاعمهم و مقالاتهم. فمن ذلك أن أبا سعيد الدارمي تحدى الجهمية -عندما ناقشهم في مسألة خلق القرآن- بأن يأتوا بنص من القرآن، أو من السنة، أو من أقوال السلف، فيه -أي النص- أن القرآن من خلق الله، و قال لهم: (( فهاتوا عن أحد منهم منصوصا أنه خلق الله كما ادعيتم، و إلا فأنتم المفارقون لجماعة المسلمين قديما و حديثا، الملحدون في آيات الله، المفترون على الله و على كتابه و رسوله، و لن تأتوا عن أحد منهم ) ) [1] .

و من أقوال السلف التي احتج بها المحدثون على الجهمية في إنكارهم لعلو الله تعالى، قول يُروى عن أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - و فيه أنه قال: (( أيها الناس إن كان محمد إلهكم الذي تعبدون فإن إلهكم قد مات، و إن كان إلهكم الله الذي في السماء فإن إلهكم لم يمت ) ) [2] . و موضع الاحتجاج هنا هو قوله: (( إلهكم الله الذي في السماء ) )، و هو صريح بأن الصحابة كانوا يعتقدون أن الله تعالى في السماء. و منها أيضا قول لعبد الله بن مسعود -رضي الله عنه-: (( ما بين السماء الدنيا و التي تليها مسيرة خمسمائة عام، و بين كل سماء مسيرة خمسمائة عام، و بين السماء السابعة و بين الكرسي خمسمائة عام، و بين الكرسي إلى الماء خمسمائة عام، و العرش على الماء، و الله تعالى فوق العرش، و هو يعلم ما أنتم عليه ) ) [3] . فهذا نص صريح في علو الله تعالى على خلقه.

و منها أيضا قول عبد الله بن عباس- رضي الله عنه- لعائشة أم المؤمنين -رضي الله عنها-: (( ... و أنزل الله براءتك من فوق سبع سموات، جاء بها الروح الأمين ) ) [4] .و موضع الشاهد على علو الله هو قوله: (( من فوق سبع سموات ) )، مما يعني أن الصحابة - منهم ابن عباس - كانوا يؤمنون بأن الله تعالى بائن عن خلقه، و أنه على عرشه فوق سبع سموات، و ليس هو بذاته في مخلوقاته.

و منها أيضا قول الفقيه المحدث عبد الله بن المبارك في الجهمية: (( إنا نستجيز أن نحكي كلام اليهود و النصارى، و لا نستجيز أن نحكي كلام الجهمية ) )، لأن كلامهم في تعطيل الصفات فيه ما هو أوحش من كلام اليهود و النصارى [5] .و عندما قيل له: كيف ينبغي أن نعرف ربنا؟ قال: على السماء السابعة على عرشه، و لا نقول كما تقول الجهمية أنه هاهنا في الأرض )) ،و في رواية (( بأنه فوق السماء السابعة على العرش، بائن من خلقه ) ) [6] .

(1) الدارمي: الرد على الجهمية، ص: 180.

(2) نفس المصدر، ص: 53.

(3) نفس المصدر، ص 55.

(4) نفس المصدر، ص: 57.

(5) عبد الله بن احمد: السنة، ص: 13.

(6) نفسه، ص: 13.و الدارمي: المصدر السابق، ص: 47.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت