تناقضا بين حديث يقول: (( إن الله مسح على ظهر آدم، و أخرج منه ذريته ) ) [1] ،و بين قوله تعالى: (( و إذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم و أشهدهم على أنفسهم، ألستُ بربكم قالوا بلى ) )-سورة الأعراف/172 - ، فزعموا أن الحديث خالف الآية لأنه ذكر المسح على ظهر آدم و الآية ذكرت الأخذ من ظهور بني آدم، فردّ عليهم ابن قتيبة مبينا أنه لا تناقض بين النصين، لأن الآية أجملت و الحديث فصّل المعني، فالله تعالى عندما أخذ من بني آدم من ظهورهم، لا يعني أنه لم يمسح على ظهر آدم، بل هو عندما مسح ظهور بني آدم، مسح أيضا ظهر آدم و أخرج منه ذريته، فالذي أجمله الكتاب فصّله الحديث [2] .
واتهموا المحدثين أيضا بالتناقض في روايتهم للأحاديث، منها حديثان، الأول فيه: (( إذا انقطع شسع -زِمام- نعل أحدكم فلا يمشي في نعل واحد ) ) [3] ،و الثاني مفاده أنه ربما انقطع شسع رسول الله -عليه الصلاة و السلام- فمشى بالنعل الواحدة حتى يُصلح الأخرى [4] . فرأوا -أي المتكلمون- في هذين الحديثين تناقضا، لكن ابن قتيبة جمع بينهما، و بيّن سوء فهمهم و تسرّعهم في الاعتراض و الإنكار، وذلك أن الحديث الأول فيه نهي للذي انقطع شسع نعله، فلا يرميها و لا يعلّقها بيده و يمشي في نعل واحدة، لأن هذا منظر قبيح، و إنما عليه أن ينزع الاثنين معا. و في الحديث الثاني على الرجل إذا انقطع شسعه و في إمكانه إصلاحه، فلا بأس أن يمشي خطوة أو خطوتين إلى أن يُصلح الآخر؛ و هذا ليس بمنكر و لا قبيح، و حكم القليل يخالف حكم الكثير في مواضع كثيرة [5] .
و ختاما لهذا المبحث أُشير هنا إلى أن اعتماد المحدثين على السنة النبوية كثاني أساس لمنهجهم، في ردهم على المتكلمين، هو أمر بديهي و لابد منه، لأن السنة النبوية هي المفسرة للقرآن الكريم و المبينة له، و هي المصدر الثاني من مصادر التشريع الإسلامي. لذا فمن المنطقي جدا أن يعتمد المحدثون على الحديث النبوي في ردهم على المتكلمين، لكن غير المنطقي و الغريب جدا أن يُبعد أهل الكلام السنة النبوية و يجعلونها من وراء ظهورهم في تقرير أفكارهم و مقالاتهم، و هذا تناقض صارخ يأباه منطق الإيمان، و ترفضه العقول و الفطر السليمة. لكنني أشير هنا أيضا إلى أن بعض أهل الحديث - في اعتمادهم على السنة النبوية- فد لا يكتفون بإيراد الأحاديث الصحيحة و الحسنة، و إنما يتساهلون في رواية الأحاديث الضعيفة في مسائل العقيدة، و هذا قد يُسيء إلى الدين، و يُحدث تشويشا و بلبلة في العقول و النفوس.
الأساس الثالث: الاحتجاج بأقوال السلف من الصحابة و تابعيهم:
(1) ضعفه ناصر الدين الألباني. السلسلة الضعيفة، مكتبة المعارف - الرياض، ج 7 ص: 27، رقم: 3071.
(2) ابن قتيبة: تأويل مختلف الحديث، ص: 83 - 84.
(3) مسلم: الصحيح، ج 3 ص: 1660، رقم: 2098.
(4) مالك بن أنس: موطأ الإمام مالك، تحقيق تقي الدين الندوي، دار القلم، دمشق،1413، ج 3 ص: 412، رقم:923.
(5) ابن قتيبة: المصدر السابق، ص: 86، 87.