الصفحة 12 من 52

و استنتج الدارمي من قوله -عليه الصلاة و السلام-: (( أين الله ) )، أن فيه تكذيبا لمن يقول: إن الله في كل مكان، و لا يوُصف بالأين، لأن الشيء الذي لا يخلو من مكان (( يستحيل أن يُقال: أين هو؟، و لا يُقال: أين، إلا لمن في مكان يخلو منه مكان ) ).و لو كان الأمر على ما يدعيه هؤلاء الجهمية النفاة لأنكر رسول الله -عليه الصلاة و السلام- على الجارية قولها أنه في السماء -ردا على سؤاله -، لكنه صدّقها و شهد لها بالإيمان. و لو كان الله في السماء و الأرض لم يتم إيمانها حتى تعرفه في الأرض كما عرفته في السماء [1] . و استنتاجاته هذه صحيحة مُفحمة، تدل على بعد نظره و حسن فهمه في تدبر الحديث و تفجير معانيه.

و الوجه الثاني هو الاستنباط من الحديث النبوي، فمن ذلك أنه عندما أنكرت الجهمية علو الله على خلقه، استدل عليهم أبو سعيد الدارمي بحادثة إسراء الرسول-صلى الله عليه وسلم- و عروجه إلى السموات حتى وصل إلى سدرة المنتهى فوق سبع سموات، و استنبط منها أنه لو كان الله في كل مكان كما (( يزعم هؤلاء، ما كان للإسراء و البراق و المعراج إذن من معنى، و إلى من يعرج به إلى السماء؟ و هو بزعمكم الكاذب معه في بيته في الأرض ليس بينه و بينه ستر ) ) [2] .و احتج عليهم أيضا بقوله -عليه الصلاة و السلام-: (( إن الله لا ينام، و لا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط و يرفعه، يُرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار، و عمل الناهر قيل الليل، حجابه النور لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه كل شيء أدركه بصره ) ) [3] ، فالحديث ذكر رفع الأعمال، فإلى (( من تُرفع الأعمال، و الله بزعمكم الكاذب مع العامل بنفسه في بيته و مسجده، و منقلبه و مثواه ) ) [4] ؟!.

و الوجه الثالث هو المطالبة بالدليل من السنة النبوية، فمن ذلك أنه عندما نفى الجهمية علو الله على خلقه، و نزوله إلى السماء الدنيا، رد عليهم الدارمي بآيات قرآنية و أحاديث نبوية،، ثم طالبهم بالدليل من السنة النبوية، و تحداهم بأن يأتوا بحديث لرسول الله -صلى الله عليه و سلم- ينفي صفتي العلو و النزول، و يُثبتوا به زعمهم بأن الله تعالى في كل مكان، واقع على كل شيء [5] .

و الوجه الرابع، هو إظهار تسرّع المتكلمين في إنكار الأحاديث و قلة فهمهم لها، فعندما ادعى المتكلمون أن أهل الحديث يحملون الكذب و المتناقضات في رواياتهم، كان الفقيه الأديب ابن فتيبة من بين الذين تصدّوا للرد عليهم، مبينا أن المحدثين قد ميّزوا الروايات الصحيحة من سقيمها، و أن المتكلمين هم المتسرّعون في إنكار الأحاديث، لقلة فهمهم و علمهم؛ فمن ذلك أنهم ادعوا أن هناك

(1) نفسه، ص: 47.

(2) الدارمي: المصدر السابق، ص: 67.

(3) مسلم: الصحيح، ج 1 ص: 161، رقم: 179.

(4) الدارمي، ص: 64.

(5) نفس المصدر، ص: 97.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت