الصفحة 11 من 52

و الأدب مع الله تعالى عندما اتهموه بالظلم، و هو القائل: (( و قُضي بينهم بالقسط و هم لا يُظلمون ) )-سورة يونس/54 - ،و: (( قُضي بينهم بالحق و هم لا يُظلمون ) )-سورة الزمر/ 69 - ،و (( ما ربك بظلام للعبيد ) )-سورة فصلت/46 - .

و ختاما لهذا المبحث أُشير إلى أمرين هامين، الأول هو أن اعتماد أصحاب الحديث على القرآن الكريم، كأول أساس لمنهجهم في ردهم على المتكلمين، هو موقف صحيح يتفق تماما مع النقل و العقل؛ فلا يٌوجد أعظم حجة من كلام الله تعالى، و قد أمر نبيه-عليه الصلاة و السلام- بأن يُجاهد و يجادل الكفار بالقرآن الكريم، في قوله: (( فلا تطع الكافرين و جاهدهم به جهادا كبيرا ) )-سورة الفرقان/52 - ،و هذا أمر يصدق على كل الضالين و أهل الأهواء من الكفار و المنحرفين من المسلمين.

و الأمر الثاني هو أن موقف المعتزلة و الجهمية و القدرية -في إنكارهم لكثير من حقائق القرآن الكريم- هو موقف غير شرعي و لا عقلي، ينطوي على تناقض صارخ، فهم إما أنهم يؤمنون بالقرآن بأنه كتاب الله تعالى، فيلتزمون به، و يفهمونه في إطار آياتها المحكمة، و هذا مُقتضى منطق العقل و الإيمان. و إما أنهم لا يؤمنون به، فيُلزمهم هذا تركه و عدم الاحتجاج به و عدم التلاعب به، و يُعلنون ذلك صراحة، لكي يُناقشهم خُصومهم بالمنطق الذي يُناسبهم. مع العلم أن قضايا الغيب التي لا يُدركها العقل، يجب الرجوع فيها إلى النقل لا إلى العقل، و هذا هو منطق النقل الصحيح و العقل الصريح.

الأساس الثاني: الاعتماد على السنة النبوية:

اعتمد المحدثون على السنة النبوية في مناظرة المتكلمين و الرد على مقالاتهم، اتباعا لقوله تعالى: (( فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله و الرسول ) )، و كانت لهم أوجه كثيرة في استدلالهم بالسنة و الاحتجاج بها على المتكلمين، منها: الاحتكام إلى الحديث النبوي و الاحتجاج به، فعندما أنكرت الجهمية علو الله على خلقه و مباينته له، و قالوا إنه في كل مكان بذاته، ردّ عليهم أبو سعيد عثمان الدارمي بحديث الجارية، و مفاده أن صحابيا ضرب جارية له، فندم على فعله و أراد أن يُعتقها، و أخبر الرسول-عليه الصلاة و السلام- بأمرها، فقال له: (( أدعها، فقال لها النبي -صلى الله عليه وسلم-: أين الله؟ قالت: في السماء، قال: فمن أنا؟ قالت: أنت رسول الله. قال: أعتقها فإنها مؤمنة ) ) [1] هذا الحديث قال فيه الدارمي أنه صريح في أن الله في السماء دون الأرض، و أن الرجل إذا لم يعلم ذلك فليس بمؤمن، لأن رسول الله جعل أمارة إيمان الجارية معرفتها أن الله تعالى في السماء [2] .

(1) : مسلم بن الحجاج: صحيح مسلم، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي - بيروت، ج1 ص: 381، رقم:537.

(2) الدارمي: الرد على الجهمية، ص: 45، 46، 47.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت