ظهره، هو من أبعد الناس عن المنطق الصحيح و العقل الصريح، و العلم الصحيح، و إن ألبس هواه و تخرصاته و ظنونه ثوب العقل و العقلانية.
و ثانيا إن من مظاهر انحرافهم المنهجي، أنهم يُنكرون ما هو ثابت في القرآن الكريم، كإنكارهم استواء الله على عرشه، و تكليمه لموسى عليه السلام، حتى أن الإمام احمد بن حنبل لما احتج عليهم بآيات تكليم الله تعالى لموسى -عليه السلام -، قالوا له: (( لم يتكلم، و لا يتكلم ) ) [1] .و قد بلغ الأمر بأبي القاسم الكعبي المعتزلي (ت317ه) أن زعم أن أفعال الله تعالى تقع منه بلا اختيار و لا مشيئة، و أنه ليست له إرادة [2] . و هذا قمة في الجهل و مخالفة الشرع، فالله تعالى يقول: (( و ربك يخلق ما يشاء و يختار ) )-سورة القصص/68 - ،و (( لو شاء ربك ما فعلوه ) )-سورة الأنعام/112، 137 - ،و قوله هذا هو أيضا مخالف للعقل و الفطر السليمة و للعلم الصحيح، و هو قول على الله بلا علم، و وصف له بالنقائص، و تعطيل لصفاته.
و قد انتقد أحمد بن حنبل الجهمية في منهجهم الكلامي، و بيّن انحرافهم في موقفهم من كتاب الله و تعاملهم معه، و قال: إنهم مختلفون في الكتاب، و مخالفون له، و مجمعون على مخالفته، و يقولون على الله في كتابه بغير علم، و يتكلمون بالمتشابه من الكلام ليخدعوا به الجهال و يضلونهم [3] .و قوله هذا تصوير دقيق لانحرافهم المنهجي في موقفهم من القرآن، فهم خاضوا فيه بلا علم، و اتبعوا متشابهه دون محكمه، و لم يرجعوا إليه في تقرير مقالاتهم إلا إذا وافق أهواءهم، فيستعينون به.
و من الأمثلة التي تدل على خوض هؤلاء المتكلمين في القرآن بلا علم و تجرّئهم عليه، و فضح أهل الحديث لهم، أن المتكلم بِشر المريسي (ت218ه) أنكر إتيان الله تعالى يوم القيامة المذكور في قوله تعالى: (( هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام و الملائكة ) )-سورة الأنعام /21 - ،و قال: إن هذا ليس بإتيان، لأن الله -في زعمه- لا يتصف بالإتيان، و معنى الآية -في زعمه- هو إتيان أمر الله و ليس إتيانه بنفسه، و هذا المعنى عنده هو نفسه معنى قوله تعالى: (( فأتى الله بنيانهم من القواعد، فخر عليهم السقف من فوقهم ) )-سورة النحل/26 - ؛ فرد عليه أبو سعيد الدارمي مبينا أن المريسي قد تجرّأ على كتاب الله بلا علم و لا بصر، لجهله به و بالسنة النبوية، لأن تفسير كل من الآيتين مقرون بسياق كل منهما، و لا يجهله إلا من كان كالمريسي، ثم بيّن أن الآية واضحة في تقرير إتيان الله تعالى
(1) الدارمي: المصدر السابق، ص: 32، 33.و ابن القيم: اجتماع الجيوش الإسلامية، ص: 99.
(2) ابن كثير: البداية و النهاية، ج 11 ص: 195.و ابن العماد الجنبلي: شذرات الذهب، ج 4 ص: 93.
(3) أحمد بن حنبل: الرد على الزنادقة والجهمية حقيقه محمد حسن راشد المطبعة السلفية - القاهرة، 1393
ص: 6. ابن القيم الجوزية: اجتماع الجيوش الإسلامية، ص: 95.