ومن هذا التفضيل كثير من أصحاب المذاهب والطرائق وأتباع الشيوخ كل منهم لمذهبه وطريقته أو شيخه ، وكذلك الأنساب والقبائل والمدن والحرف والصناعات ، فإن كان الرجل ممن لا يشك في علمه وورعه خيف عليه من جهة أخرى: وهو أنه يشهد حظه ونفعه المتعلق بتلك الجهة ، ويغيب عن نفع غيره بسواها ، لأن نفعه مشاهد له أقرب إليه من علمه بنفع غيره ، فيفضل ما كان نفعه وحظه من جهته باعتبار شهوده ذلك وغيبته عن سواه ، فهذه نكت جامعة مختصرة إذا تأملها المنصف عظم انتفاعه بها واستقام له نظره ومناظرته) (انظر بدائع الفوائد لابن القيم 3/161-164)
القاعدة السابعة
المنهج الصحيح في الحب والبغض:
من المسلمين من يجتمع فيه أمران: أمر من الخير فيحب بسببه ويمدح عليه ، وأمر من الشر فيذم بسببه ويبغض من جهته . وأما الحب والولاء بإطلاق فهو للمؤمنين ، والبغض والبراء بإطلاق - أيضًا - فهو للكافرين ، فإن الحب والبغض من أوثق عرى الإيمان ، كما ثبت ذلك في الأثر (انظر مسند الإمام أحمد 4/286، وحسّنه الألباني في السلسلة 1728)
وإنما القاعدة في المسلم الذي يخلط عملًا صالحًا وآخر سيئًا أنه يحب من جهة عمله للصالحات ، ويمدح لذلك ، ويبغض من جهة عمله للسيئات ، ويذم لذلك.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: (وإنه كثيرًا ما يجتمع في الفعل الواحد ، أو في الشخص الواحد الأمران: فالذم والنهي والعقاب قد يتوجه إلى ما تضمنه أحدهما ، فلا يغفل عما فيه من النوع الآخر ، وقد يمدح الرجل بترك بعض السيئات البدعية الفجورية ، لكن قد يسلب مع ذلك ما حمد به غيره على فعل بعض الحسنات السنية البرية ، فهذا طريق الموازنة والمعادلة ، ومن سلكه كان قائمًا بالقسط الذي أنزل الله له الكتاب والميزان) (الفتاوى 10 / 366)
ويقول في موضع آخر: (ولا منافاة بين أن يكون الشخص الواحد يرحم ويحب من وجه، ويعذب ويبغض من وجه آخر) (الفتاوى 51 /294)