-ثم رجع إلى منى فبات بها ثلاث ليالي؛ الحادي عشر، والثاني عشر، والثالث عشر، يرمي كل يوم نهارا، بعد زوال الشمس الجمرات الثلاثة، مبتدأ بالصغرى، كل واحدة بسبع حصيات.
-وفي أثناء ذلك: رخص للرعاة أن يرموا يومين في يوم، وفي عدم المبيت لأجل رعيهم. ولم يلزم الناس بالأيام الثلاث، فترك للناس أن يختاروا التعجل في يومين، أو التأخر إلى ثلاثة.
-ثم لما انقضت أيام منى مضى إلى مكة، فطاف بالبيت طواف الوداع، وأسقطه عن الحائض.
هكذا حج النبي صلى الله عليه وسلم، وهكذا كانت صورة وهيئة حجته..
ومراعاة لذوي الحاجات من مرضى وضعفة، وأصحاب تجارة كالرعاة، وأصحاب خدمة للحجيج كالسقاء: جعل لهم أن يتركوا بعض السنن الواجبة. تخفيفا عليهم، ولأنهم فعلوا الأصول والأركان.
لكن السواد الأعظم كانوا معه، يحجون كحجته، فلا يتحركون إلا بحركته، يفعلون كفعله: فلا ينفرون من عرفة إلا معه بعد الغروب، ولا يدفعون من مزدلفة إلا بعد الفجر، ولا يرمون الجمار إلا بعد زوال الشمس، ولا يبيتون إلا بمنى، ولا ينفرون إلا بعد طواف الوداع، ولا يتعجلون إلا في اليوم الثاني عشر بعد الزوال، لا قبله.
وقد كان من العلماء من أفتى بفعل أشياء، هي خلاف سنة النبي صلى الله عليه وسلم وفعله؛ كونهم فهموا أنها من السنن المستحبة غير الواجبة، فأجاز بعضهم الرمي قبل الزوال، ولم يوجب بعضهم الدم على من نفر من عرفة قبل الغروب، ومن مثل هذا، لكن مع كل ذلك فقد بقيت سنة النبي صلى الله عليه وسلم ظاهرة بينة، حفظها الحفاظ على السنة النبوية، والعاملون بها من المؤمنين.
وفي العقود الأخيرة، مع تطور وسائل النقل: برزت مشكلات، نتج عنها ضعف العمل بصورة الحجة النبوية، وتعذرها في كثير من الأحوال، فصار:
-كثير من الناس لا يبيت بمنى ليلة التروية وليالي التشريق؛ لأنه لا يجد مكانا، أو لأنه لا يملك مالا يلحقه بحملة حج، وهو متشوق لأداء الفريضة.