-الأول: حفظه للقرآن العظيم بأن يسره للذكر كمال قال تعالى: {ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر} [القمر: 17] فحَفِظَهُ سبحانه بأن جعله محفوظًا في صدور الأمة يتناقله الكافة عن الكافة حتى بلغنا كاملًا غير منقوص لم يُحَرَّفْ ولم يبدل منه حرفٌ واحدٌ نقطع بذلك وسيبقى كذلك إلى أن يأذن الله تعالى برفعه من بين خلقه [1] .
-الثاني: حِفْظُهُ تبارك وتعالى للسنة المباركة المصدر الثاني للتشريع ونحن نقطع أنها محفوظة كالقرآن سواء لأن الله تعالى قال: {وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم} [النحل: 44] ، وقال تعالى: {إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون} [الحجر: 9] ، قال ابن حزم [2] : (الذكر قرآن وسنة فالله حافظ للسنة كما حفظ القرآن) .
لكن هذا الصرح الشامخ - السنة النبوية - المصدر الثاني للتشريع الإسلامي حنق عليه كثير من أهل البدع والأهواء والفرق الضالة فردوا منها ما لم يوافق أهواءهم وضربوا بعرض الحائط منها ما لم يؤيد باطلهم فوضعوا
(1) والدليل على أن القرآن سيرفعه الله تعالى من بين خلقه في آخر الزمان ما رواه حذيفة بن اليمان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يُدرسُ الإسلام كما يُدرَسُ وَشْيُ الثوب حتى لا يدري ما صيام ولا صلاة ولا نُسك ولا صدقة وليُسْرِىَ على كتاب الله عز وجل في ليلة فلا يبقى في الأرض منه آية وتبقى طوائف من الناس: الشيخ الكبير والعجوز يقولون: أدركنا آباءَنا على هذه الكلمة:"لا إله إلا الله"فنحن نقولها) أخرجه ابن ماجة (4049) والحاكم (4/ 473) من طريق أبي معاوية عن أبي مالك الأشجعي عن ربعي بن خراش عن حذيفة، وصححه الألباني في (الصحيحة) (87) .
يُدرسُ: من دَرَسَ الرسمُ دروسًا إذ عفا وهلك. وشيُ الثوب: نقشه.
قال الألباني حفظه الله تعليقًا على هذا الحديث: (وفي هذا الحديث نبأٌ خطير وهو أنه سوف يأتي يومٌ على الإسلام يمحى أثره وعلى القرآن فيرفع فلا يبقى منه ولا آية واحدة وذلك لا يكون قطعًا إلا بعد أن يسيطر الإسلام على الكرة الأرضية جميعها، وتكون كلمته فيها هي العليا. كما هو نص قول الله تبارك وتعالى: {هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله} [الفتح: 28] وكما شرح رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك في أحاديث كثيرة سبق ذكر بعضها في المقال الأول من هذه المقالات(الأحاديث الصحيحة) وما رَفْعُ القرآن الكريم في آخر الزمان إلا تمهيدًا لإقامة الساعة على شرار الخلق الذين لا يعرفون شيئًا من الإسلام البتة حتى ولا توحيده وفي الحديث إشارة إلى عظمة القرآن وأن وجوده بين المسلمين هو السبب لبقاء دينهم ورسوخ بنيانه وما ذلك إلا بتدارسه وتدبره وتفهمه ولذلك تعهد الله تبارك وتعالى بحفظه إلى أن يأذن الله برفعه.
فما أبعد ضلال بعض المقلدة الذين يذهبون إلى أن الدين محفوظ بالمذاهب الأربعة وأنه لا ضير على المسلمين من ضياع قرآنهم لو فرض وقوع ذلك ... فتأمل أيها القاريء اللبيب مبلغ ضرر ما نشكو منه لقد جعلوا القرآن في حكم المرفوع وهو لا يزال بين ظهرانينا والحمد لله فكيف يكون حالهم حين يسرى عليه في ليلة فلا يبقى في الأرض منه آية؟! فاللهم هُداك) أ. هـ (السلسلة الصحيحة 1/ 127 - 130) .
(2) ابن حزم هو أبو محمد على بن أحمد بن سعيد بن حزم الظاهري. مولده بقرطبة سنة 384 وكان وزير المنصور أبي عامر محمد بن أبي عامر وكان متفننًا في علوم جمة عاملًا بعلمه زاهدًا في الدنيا بعد الرياسة وله تآليف كثيرة منها في فقه الحديث (الإيصال إلى فهم الخصال الجامعة لجمل شرائع الإسلام في الواجب والحلال والحرام والسنة والإجماع، والمحلى وهو الذي دون فيه مذهبه، والفصل في الملل والأهواء والنحل، وطوق الحمامة وغيرها) توفي سنة 456 رحمه الله ورضي عنه. راجع ترجمته في (وفيات الأعيان) .