كانوا يجتهدون كل حسب علمه رضي الله عنهم. أما في العقائد ما تجد لهذا أثر كانوا يسلمون.
وأضيف إلى ما سبق من حجية خبر الواحد هذا الدليل العملي في الواقع وهو: إننا نعلم بضرورة الحس أن النبي صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يبلغ حكمًا عن الله لم يكن يجمع له أهل المدينة كلهم حتى يفتي. بل كان يتكلم بحضرة من حضر والموجود يبلغ. وكانوا مشاغيل لهم حرث ولهم زرع ولهم تجارة، فما قال لأحد منهم قط إذا أردت أن أبلغ وأفتي فلابد أن تجتمعوا. فما نقل هذه السنن ولا هذه الأحاديث إلا الواحد بعد الواحد وهذا على عين النبي صلى الله عليه وسلم والأحاديث كثيرة جدًا في هذا الباب ولكن هذا مَهْيَعٌ متسع [1] ردوا منه أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم بأصل أصّلوه من عند أنفسهم. والأصل ما لم يكن له ذكر في الكتاب والسنة فلا نخاع له. فهذا باب ردوا منه أحاديث، لذلك علماء السنة قاموا وهبوا وكان على رأسهم الصحابة رضوان الله عليهم كانوا يقولون: (إن جميع ما في السنة في القرآن ولو إجمالًا) .
ومن أصحاب هذا المذهب الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود رضي الله عنه كما في الصحيحين عنه رضي الله عنه أنه قال: (لعن الله الواشمات والمستوشمات والنامصات والمتنمصات والمتفلجات للحسن المغيرات خلق الله) . قال: فبلغ ذلك امرأة من بني أسدٍ يقال لها أم يعقوب وكانت تقرأ القرآن فأتته فقالت: ما حديث بلغني عنك أنك لعنت الواشمات والمستوشمات والنامصات والمتنمصات والمتفلجات للحسن المغيرات خلق الله؟ قال عبد الله: وما لي لا ألعن من لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في كتاب الله عز وجل؟! فقالت المرأة: لقد قرأت ما بين لوحي المصحف فما وجدته، فقال: لئن كنت قرأتيه لقد وجدتيه قال الله عز وجل: {وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا} [الحشر: 7] فقالت المرأة: فإني أرى شيئًا من هذا على امرأتك الآن! قال: اذهبي فانظري قال: فدخلت على امرأة عبد الله فلم تر شيئًا، فجاءت إليه فقالت: ما رأيت شيئًا، فقال: أما لو كان ذلك لم نجامعها [2] ، ثم قال لها: فهذا مما آتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم) [3] .
وعبد الرحمن بن زيد حيث قال: (لَقِيَ ابنُ مسعود رجلًا مُحْرِمًا وعليه ثيابه فقال له: انزع عنك هذا. فقال الرجل: أتقرأ عَليَّ بهذا آية من كتاب الله تعالى؟ قال ابن مسعود: نعم {وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا} ) [4] .
والشافعي فقد قال عنه عبد الله بن محمد بن هارون الفريابي: (سمعت الشافعي رضي الله عنه يقول: سلوني عما شئتم أخبركم من كتاب الله تعالى وسنة نبيكم صلى الله عليه وسلم، قال: فقلت له: ما تقول - أصلحك الله - في المُحْرِم يقتل الزنبور؟ قال: فقال: بسم الله الرحمن الرحيم، قال تعالى: وما آتاكم الرسول
(1) المهيع: هو الطريق الواسع.
(2) نجامعها: يعني لم نصاحبها ولم نجتمع نحن وهي بل كنا نطلقها ونفارقها.
(3) والحديث رواه البخاري (4886) ومسلم في كتاب (اللباس والزينة) باب (تحريم فعل الواصلة والمستوصلة والواشمة والمستوشمة) .
(4) الجامع لأحكام القرآن (18/ 17) .