فهرس الكتاب

الصفحة 15 من 44

عنه قال في حديث طويل: ( ... وكانت لِيَ جاريةٌ ترعى غنمًا لي قِبَلَ أُحدٍ والجَوَّانِيِّةِ [1] فاطلعت ذات يوم فإذا الذئب قد ذهب بشاة من غنمها وأنا رجل من بني آدم آسف كما يأسفون [2] لكني صككتها صكة [3] فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فعَظّم ذلك عليّ، قلت: يا رسول الله أفلا أعتقها؟ قال:(ائتني بها) فأتيته بها فقال لها: (أين الله) ؟ قالت: في السماء. قال: (من أنا) ؟ قالت: أنت رسول الله. قال: (اعتقها فإنها مؤمنة) » [4] .

ولو كان الله تبارك وتعالى في كل مكان كما قال الإمام أبو الحسن الأشعري [5] قال: (لو جاز أن يكون الله في كل مكان لجاز أن يكون في المستنقعات) أو ليس هذا مكان؟ فإن قلت: إنه سبحانه وتعالى في كل مكان جعلته في الحمامات وأماكن القمامة وغيرها مما لا يليق بمكان الله تعالى عن ذلك علوًا كبيرًا. وهو سبحانه وتعالى لما قال: {الرحمن على العرش استوى} [طه: 5] وهذا مدح من الله تعالى لنفسه بأنه استوى على العرش فلو كان العرش كهذه الأرض لا فرق بينهما أن يستوي على العرش أو يستوي على الأرض لما كان للمدح بذكر الاستواء على العرش معنى. فدل على أنه لما امتدح نفسه تبارك وتعالى بأنه استوى على العرش أن فرقًا بين العرش وغيره بل كما قال الإمام أحمد وعليه أهل السنة جميعًا: (إن الله بذاته في السماء بلا كيف وعلمه في كل مكان) [6] كما قال تبارك وتعالى: {وهو معكم أينما كنتم} [الحديد: 4] ، وقوله تبارك وتعالى: {وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله} [الزخرف: 84] معناه: وهو إله في السماء كما أنه إله في الأرض.

قالوا: ما نأخذ بحديث معاوية لأنه حديث آحاد.

دخلوا بهذا الأصل الذي أصّلوه من عند أنفسهم فهدموا ركنًا عظيمًا من هذه السنة إننا نستطيع وبمنتهى التواضع أن نتحدى أي مخلوق أن يأتي بواقعة واحدة بحديث واحدٍ في أصول العقائد أن صحابيًا روى حديثًا في العقائد فأنكره عليه صحابيٌّ آخر.

هذا غير موجود على الإطلاق في الكتب.

(1) الجوَّانية: بالجيم موضع في شمال المدينة بقرب أُحد.

(2) آسف: أغضب.

(3) صككتها: أي ضربت وجهها بيدي مبسوطة.

(4) رواه مسلم (537) باب (تحريم الكلام في الصلاة) وأبو داود (930) والنسائي (3/ 14 - 19) في (الصلاة) باب الكلام في الصلاة، وأحمد (5/ 447 - 448) .

(5) الإمام أبو الحسن الأشعري هو العلامة إمام المتكلمين أبو الحسن علي بن إسماعيل بن أبي بشر إسحاق بن سالم بن إسماعيل بن عبد الله بن موسى بن أمير البصرة بلال بن أبي بردة بن صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم أبي موسى عبد الله بن قيس بن حضار الأشعري اليماني البصري ولد سنة ستين ومئتين وكان عجبًا في الذكاء وقوة الفهم ولما برع في معرفة الاعتزال كرهه وتبرأ منه وصعد إلى الناس فتاب إلى الله تعالى منه ثم أخذ يرد على المعتزلة ويهتك عوارهم.

قال الفقيه أبو بكر الصرفي: (كانت المعتزلة قد رفعوا رؤسهم حتى نشأ الأشعري فحجرهم في أقماع السمسم) . (ترجمته في السير) .

(6) راجع (العقيدة الطحاوية) (290 - 306) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت