فهرس الكتاب

الصفحة 14 من 44

وهذا خبر واحدٍ وكانوا على أمر مقطوع به لديهم وهو الصلاة قِبَلَ بيت المقدس.

فما توقف أحد منهم ولا قال: أتم صلاتي حتى استوثق بعد ذلك أَحُوِّلَتِ القبلة أم لا لاحتمال أن يكون كاذبًا. ما خطر هذا في بال أحدهم.

-الدليل الرابع: وكان حسنًا ما ذهب إليه الإمام البارع محمد بن إدريس الشافعي من الاستدلال على حجية خبر الآحاد بقول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: (نضَّرَ الله امرءًا سمع مقالتي فوعاها .. ) الحديث [1] . ولنستمع إليه مرة أخرى يستدل على ما أراد: قال رحمه الله: (فلما ندب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى استماع مقالته وحفظها امرءًا - والأمروء واحد - دَلَّ على أنه لا يأمر أن يؤدي عنه إلا ما تقوم به الحجة على من أدى إليه لأنه إنما يؤدي عنه حلال وحرام يُتَجَنَّبُ وحد يُقام ومال يُؤْخذ ويُعطى ونصيحة في دين ودنيا ودَلَّ على أنه قد يحمل الفقه غير فقيه يكون له حافظًا ولا يكون فقيهًا) [2] .

-الدليل الخامس: واعتبار خبر الآحاد الذي تتوفر فيه شروط القبول حجة في دين الله هو ما درج عليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن بعدهم فمن ذلك ما روي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان لا يُوَرِّثُ المرأة من دية زوجها ثم ترك ذلك لخبر أحد الصحابة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الضحاك بن سفيان، روى الإمام الشافعي عن سفيان عن الزهري عن سعيد بن المسيب: «أن عمر بن الخطاب كان يقول: الدية للعاقلة [3] ولا ترث المرأة من دية زوجها شيئًا حتى أخبره الضحاك بن سفيان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب إليه: أن يُورِّث امرأة أشيم الضِّبابي من ديته فرجع إليه عمر) [4] .

والأدلة على ذلك كثيرة تصل إلى ثلاثين دليلًا كل دليل منها قائم بذاته حجة بمفرده أن خبر الواحد يفيد العلم والعمل جميعًا.

إذًا فمن أين أتتنا هذه البدعة؟

أتتنا من المعتزلة من أصحاب الكلام. وبكل أسف هذه العقيدة هي التي تدرس في مدارسنا وهي عقيدة الأشاعرة - أن خبر الواحد لا يُحتج به في العقائد - إنما يُحتجُّ به في الأحكام الشرعية العملية كالصلاة، ووجوب الزكاة، والأنصبة، وعدد الركعات، وصفة الصلاة وهذه الأحكام، أما الخبريات العلميات - العقائد - لا يحتجون بخبر الآحاد في العقائد.

ولذلك إذا قيل لواحدٍ منهم: أين الله؟ قال: في كل مكان! لماذا لم تجب بجواب الجارية الذي أقرها عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأعتقها لذلك، بلغ بعض غلاة هؤلاء أنه قال: لا يجوز لك أن تقول: أين الله؟ لأن (أين) تفيد مكانًا أو تفيد زمانًا وكلاهما ممتنع على الله عز وجل. فأنكروا ما علمه النبي صلى الله عليه وسلم بل ما سأله للجارية كما في (صحيح مسلم) من حديث معاوية بن الحكم السلمي رضي الله

(1) رواه أحمد وابن ماجة عن أنس وصححه الألباني في (صحيح الجامع) (6640) ورواه الترمذي وقال: (حديث حسن صحيح) .

(2) "الرسالة"للإمام الشافعي (ص / 402 - 403) ، (لمحات في أصول الحديث) لمحمد أديب صالح (ص/ 99) .

(3) العاقلة: هي العصبة والأقارب من قبل الأب الذين يُعْطَوْنَ دية القتيل الخطأ (النهاية) .

(4) رواه أحمد وأبو داود (2927) والترمذي وانظر"الرسالة"للشافعي (ص/ 426) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت