والذي عليه المحققون من أهل العلم بالحديث أن خبر الآحاد إذا كان مقبولًا بأن كان صحيحًا أو حسنًا أنه حجة يجب العمل به يفيد العلم اليقيني الضروري لأدلة كثيرة منها:
-الدليل الأول: مما يعلم بضرورة الحس وقد أتى الشرع بهذا: أن أمير المؤمنين لو أرسل رجلًا ثقة أمينًا إلى بلدٍ من بلاد الكفار فأنذرهم وتلا عليهم القرآن وعلّمهم الشرائع فأَبَوْا أن يقبلوا خبره فهم كفرة مرتدون عند جميع أهل الإسلام على أمير المؤمنين أن يباغتهم وأن يضرب عليهم الجزية. وهذا بخبرٍ واحدٍ.
-الدليل الثاني: قد صح أن النبي صلى الله عليه وسلم أرسل معاذًا وحده إلى اليمن كما في الصحيحين من حديث ابن عباس. وقال له: «إنك تَقْدَمُ على قوم أهل كتاب فليكن أول ما تدعوهم إليه عبادة الله، فإذا عرفوا الله فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم خمس صلوات في يومهم وليلتهم فإذا فعلوا فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم زكاة ... » الحديث [1] .
وفي رواية أخرى عن ابن عباس أيضًا: «إنك ستأتي قومًا أهل كتاب فإذا جئتهم فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله ... » الحديث، وفي رواية: «إنك تأتي قومًا من أهل الكتاب فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله» .
فالنبي صلى الله عليه وسلم قال لمعاذ رضي الله عنه: «فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله» هذه عقيدة أم لا؟!
أو ليست هذه هي كلمة التوحيد التي يُبْنَى عليها الإسلام كله؟
لو أن أهل اليمن بعد دخول معاذٍ ودعوته للتوحيد فيهم أبوا أن يقبلوا خبره لكانوا كفرة مرتدين.
فهل يُعْقَلَ أن يقول أهل اليمن لمعاذٍ: خبر رسول الله صلى الله عليه وسلم على العين والرأس لكنَّ كلامك لا يفيد علمًا لاحتمال أن تكون مخطئًا أو كاذبًا لذلك فنحن لا نقبل منك إلا إذا أرسل معك ما يبلغ عدد التواتر؟!
ما قاله أهل اليمن، ولا يُقْبَلَ أن يقوله أحد. وهذه عقيدة.
-الدليل الثالث: بل قد ثبتَ أن المسلمين تركوا الشيء المقطوع به لديهم لخبر واحدٍ. وذلك في مسألة تحويل القبلة. قال البخاري: (حدثنا أبو نعيم سمع زهيرًا عن أبي إسحاق عن البراء رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صَلَّى إلى بيت المقدس ستة عشر شهرًا أو سبعة عشر شهرًا. وكان يعجبه أن تكون قبلته قِبَلَ البيت وأنه صلَّى - أو صلاّها - صلاة العصر وصلى معه قوم فخرج رجل ممن كان صلى معه فمرَّ على أهل المسجد وهم راكعون، قال: أشهد بالله لقد صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم قِبَلَ مكة فداروا كما هم قِبَلَ البيت وكان الذي مات على القبلة قبل أن تحول قِبَلَ البيت رجال قتلوا لم ندر ما نقول فيهم فأنزل الله: {وما كان الله ليضيع إيمانكم إن الله بالناس لرءوف رحيم} [البقرة: 143] ) [2] .
(1) رواه البخاري (1496) ومسلم في باب (الدعاء إلى الشهادتين) من (كتاب الإيمان) .
(2) رواه البخاري (4486) .