إن مصدر الفهم الخاطيء في الحقيقة هو مبتدأ الآية: (يا نساء النبي لستن كأحد من النساء) ، ولكن هذا الأسلوب لا يختلف -مثلًا- عن قولك لولد نجيب: يا بني لست كأحد من عامة الأولاد حتى تطوف في الشوارع وتأتي بما لا يليق من الحركات، فعليك بالأدب واللياقة، فقولك هذا لا يعني أن سائر الأولاد يُحمد فيهم طواف الشوارع وإتيان الحركات السيئة ولا يُطلب منهم الأدب واللياقة، بل المراد بمثل قولك هذا تحديد معيار لمحاسن الأخلاق وفضائلها لكي يصبو إليها كل ولد يريد أن يعيش كنجباء الأولاد فيسعد في بلوغه. وقد اختار القرآن الكريم هذه الطريقة لتوجيه النساء، لأن نساء العرب في الجاهلية كن على مثل الحرية التي توجد في نساء الغرب في هذا الزمان، وكان العمل جاريًا على تعويدهن الحضارة الإسلامية بشيء من التدريج، وتعليمهن حدود الأخلاق والضوابط الاجتماعية على يد النبي صلى الله عليه وسلم. ففي تلك الأحوال عني الإسلام بضبط أمهات المؤمنين بضابطه على وجه خاص حتى يكن أسوة لسائر النساء وتُتبع طريقتهن وعاداتهن في بيوت عامة المسلمين.
هذا الرأي نفسه - وهو تعميم نساء المسلمين بالخطاب- أبداه العلامة أبو بكر الجصاص في كتابه (أحكام القرآن) فقال: (وهذا الحكم وإن نزل خاصًا في النبي صلى الله عليه وسلم وأزواجه، فالمعنى عام فيه وفي غيره، إذ كنا مأمورين باتباعه والاقتداء به إلا ما خصه الله تعالى به دون أمته) "90."