عاصم الغرناطي (ت829هـ) يبرر الدوافع المنهجية التي جعلته يلجأ إلى تأليف أرجوزته الشهيرة المسماة [تحفة الحكام في نكت العقود والأحكام] فيقول:
وبعد فالقصد من هذا الرجز
تقرير الأحكام بلفظ موجز
نظمته تذكرة وحين تمّ
بما به البلوى تعمّ قد ألمّ
سميته بتحفة الحكام
من نكت العقود والأحكام
وذاك لما أن بليت بالقضا
بعد شباب مرّ عنّي وانقضا [1]
فهذه الأرجوزة مؤلفة لفائدة القضاة لما يجدون من الحاجة لاستحضار بعض أحكام الشريعة الإسلامية في قضائهم، لذلك اقتصر كما قال مؤلف الأرجوزة على ما تعمّ به البلوى مما له علاقة بالعقود والأقضية والشهادات.
بينما اهتمّ فقهاء آخرون بنظم مؤلفهم في مشهور أقوال الفقهاء في مسائل الفقه، لما كثرت الروايات وتعارضت وأشكل ذلك على المتفقهة، ومن هؤلاء خليل بن إسحاق (ت776هـ) فقد تحركت همّته في هذه الوجهة فألّف [مختصره] الشهير وبرّر التأليف قائلا:» فقد سألني جماعة أبان الله لي ولهم معالم التحقيق وسلك بنا وبهم أنفع طريق، مختصرا على مذهب الإمام مالك بن أنس مبينا لما به الفتوى، فأجبت سؤالهم بعد الاستخارة « [2] . لذلك جاء هذا المختصر مقتصرا على مشهور المذهب حتى إنه ليردّ القول المخالف لما ورد في هذا المتن المركّز.
في حين اندفعت همّة عبد الواحد بن عاشر (ت1040هـ) إلى صياغة أرجوزة في الفقه الإسلامي يسهل حفظها واستحضار أبياتها على المبتدئين من"الأميين"، وصغار المتعلمين، سمّاها: [المرشد المعين على الضروري من علوم الدين] . فجاءت هذه الأرجوزة على شكل بديع عبَّر صاحبها في مستهلها عن الغرض من نظمها قائلا [3] :
وبعد فالعون من الله المجيد
في نظم أبيات للأميّ تفيد
في عقد الأشعري وفقه مالك
وفي طريقة الجنيد السالك
نقد أسلوب النظم: إن تكن من نقائص تعاب على هذه الطريقة فأهمّها ثلاث:
أما الأولى: فتوجيه الفقيه فيها إلى حفظ أحكام المسائل، دون النظر إلى أدلة الحكم، مما يبعد المتفقه عن مصدر الفقه الأساسي المتمثل في الوحي.
صرّح بقريب من هذا الإمام أبو عبد الله ميارة الفاسي (ت1072هـ) عند شرح قول ابن عاصم [4] :
(1) تحفة الحكام في نكت العقود والأحكام: أبو بكر بن عاصم الغرناطي:1/ 5 - 8.
(2) مختصر خليل في فقه الإمام مالك: أبو المودة خليل بن إسحاق: 2.
(3) المرشد المعين على الضروري من علوم الدين: عبد الواحد بن عاشر:1/ 3 - 13.
(4) تحفة الحكام بشرح ميارة: 1/ 5.