وجئت في بعض من المسائل
بالخلف رعيا لاشتهار القائل
فقد اعتذر لصاحب متن [العاصمية] بأنه إذ ادّعى مراعاة الخلاف:» لا يعني بذلك مراعاة الخلاف الذي هو إعمال دليل الخصم في لازم مدلوله الذي أعمل في نقيضه دليل آخر، لأن هذا من دأب المجتهدين الناظرين في الأدلة، فحيث يترجح عندهم دليل الغير أعملوه، وحيث لا أهملوه، والناظم إنما هو ناظم لكلام الفقهاء المتقدمين، وجامع له بمراعاة الخلاف، وإن وجدت في بعض الأحكام المذكورة في هذا النظم، فلا يعبر عنها بصيغة الخلاف وإنما يجزم بالحكم، وإن كان وجهه عن من قال به مراعاة الخلاف « [1] .
أما الثانية: فإن المؤلفين راحوا يتبارون في نظم القصائد الطوال في هذا المجال، حتى غدوا يؤلفون"الألفيات". وهذا انحراف بالمنهج عمّا وضع له من مراعاة الاختصار وتسهيل الحفظ والاستحضار.
فقصد ابن عاصم لما ألف كتابه [تحفة الحكام] التي عرفت بالمنظومة [العاصمية] ، إنما كان بدافع إنجاز عمل يفوق عمل سابقيه، أشار الإمام ميارة الفاسي إلى أحدهم حينما شرح قول الناظم [2] :
آثرت فيه الميل للتبيين
وصنته جهدي من التضمين
قال:» سمعت من بعض أشياخي -رحمه الله- أن الناظم عرّض بقوله"وصنته جهدي من التضمين"إلى نظم الفقيه القاضي البليغ أبي إسحاق إبراهيم بن عبد الله بن الحاج (ت579هـ) ممن عاصر ابن رشد، وكان القضاء يدور بينهما، ألّف في أحكام القضاء كتحفة الناظم ... سمّاه الياقوتة وفيه ألف بيت « [3] .
أما الثالثة: فهو أن بعض هذه المنظومات جاءت على حساب البيان العربي، وأنها مفسدة للعربية بوجه من الوجوه إذ في البحث عن الألفاظ الفقهية الاصطلاحية لنظم أرجوزة تجن بوجه ما على اللغة العربية.
وهذا صاحب [الياقوتة الألفية] يصرّح بقريب من هذا حين يقول في صدر ألفيته [4] :
وقد نظمت بعض أحكام القضا
مبتغيا أجرا ونيلا الرضا
في رجز خولط بالسريع
على سبيل المحدث المتبوع
مستعملا ما شذّ من زحاف
وبعض ما قد عيب في القوافي
(1) نفسه: 1/ 7.
(2) نفسه: 1/ 5.
(3) نفسه: 1/ 6.
(4) نفسه.