خطّه، فأفنوا أعمارهم في حلّ رموزه، وفهم لغوزه، ولم يصلوا لردّ ما فيه لأصوله بالتصحيح، فضلا عن معرفة الضعيف والصحيح، بل حلّ مقفل، وفهم مجمل « [1] .
وهي نقيصة واضحة في الاختصار المبالغ فيه، فالوقت المبذول في فكّ رمز من رموز المختصر أو حلّ لغز من ألغازه، وقت ضائع من حياة طالب العلم، كان أولى أن يصرف في فهم علوم أو فنون أخرى. ثم إن لغة المتفقه بهذه المختصرات ستكون أدنى من لغة المتفقه بمؤلفات متقدمي الفقهاء ممن كانوا أدباء فضلا عن فقههم.
4/ أنها تبعد الفقه عن الوحي: العيب الآخر في هذه المختصرات هو أنها تبتعد بالمتفقه عن مصدر الفقه الحقيقي ألا وهو الكتاب والسنة، ذلك أن النحو الذي نحاه المختصرون اقتضى منهم ذكر أقلّ العبارات الممكنة اجتنابا للإطالة، حتى إن ابن عرفة الورغمي لمّا عرّف الإجارة وقال:» هي بيع منفعة ما أمكن نقله غير سفينة ولا حيوان لا يعقل بعوض غير ناشئ عنها بعضه يتبعض بتبعيضها « [2] ، أورد عليه بعض تلامذته أن زيادة لفظ:"بعض"تنافي الاختصار ؟! [3] .
والعجيب كما قال الحجوي: أن النحو الذي لا تدعو ضرورة لإقامة أدلة على قواعده، افتعلوا له أدلة، فضخموه وصعّبوه؛ والفقه الذي يتأكد بمعرفة أدلته، تركوها وضخّموه بكثرة الاختصار، وكثرة المسائل النادرة [4] .
ثانيا: أسلوب التقعيد: اعتمد بعض الفقهاء أسلوب تقعيد الفقه الإسلامي المالكي تقريبا له من ذهن المتفقهة، وتسهيلا لاستحضار أحكامه التي لا تتناهى، مما حوته كتب الفقه القديمة والمختصرات المتأخرة، والشروح عليها والحواشي والتذييلات والتقييدات.
والمقصود بالتقعيد الفقهي صياغة الأحكام الفقهية في شكل قواعد فقهية؛ وإذا كان الفقهاء قد اختلفوا في إعطاء تعريف موحد للقاعدة الفقهية فإن أبرز تعاريف القدماء هو تعريف أبي عبد الله المقرّي (ت758هـ) في كتابه [القواعد] حيث قال:» ونعني بالقاعدة، كل كلّي هو أخصُّ من الأصول وسائر المعاني العقلية العامّة، وأعمُّ من العقود وجملة الضوابط الفقهية الخاصّة « [5] .
وإذا كان ابن نجيم الحنفي (ت970هـ) قد اعترض على هذا التعريف في كتابه [الأشباه والنظائر] ، بقوله:» إن القاعدة هي عند الفقهاء غيرها عند النحاة والأصوليين،
(1) الفكر السامي: 2/ 459.
(2) حدود ابن عرفة. مع شرح أبي عبد الله الرصاع: 2/ 516.
(3) الهداية الكافية للرصاع: 2/ 516. وانظر تعليق الحجوي في الفكر السامي: 2/ 459.
(4) انظر الفكر السامي: 2/ 461.
(5) القواعد لأبي عبد الله المقري: 1/ 212.