الرجوع إليها لعدم ترتيبها، خاصة لدى غير المتفرغين للدراسات الفقهية، فإن بعض الملاحظين عابوا على هذه الطريقة أمورا منهجية أهمّها:
1/ أنها مفسدة للفقه: وأبرز من أشار إلى هذه النقيصة أبو إسحاق الشاطبي (ت790هـ) في [موافقاته] فقد قال عن التعلم عن طريق مطالعة كتب المصنفين، ومدوني الدواوين:» أن يتحرى كتب المتقدمين من أهل العلم المراد، فإنهم أقعد به من غيرهم من المتأخرين، وأصل ذلك التجربة والخبر « [1] .
ويأتي ليبرر اختياره في [فتاواه] فيقول:» ما ذكرت لكم من عدم اعتمادي على التآليف المتأخرة فلم يكن ذلك مني -بحمد الله- محض رأي، ولكن اعتمدت بسبب الخبرة عند النظر في كتب المتقدمين من كتب المتأخرين، وأعني بالمتأخرين كابن بشير (ت بعد 526هـ) ، وابن شاس، وابن الحاجب، ومن بعدهم، ولأن بعض من لقيته من العلماء بالفقه أوصاني بالتحامي عن كتب المتأخرين، وأتى بعبارة خشنة في السمع لكنها محض النصيحة « [2] .
ولقد نبه أبو العباس الونشريسي إلى الكلام الخشن الذي ذكره الشاطبي، فيما نقله في [معياره] إذ قال:» العبارة الخشنة التي أشار إليها كان رحمه الله ينقلها عن شيخه أبي العباس أحمد القباب، وهي أنه كان يقول في ابن بشير وابن الحاج وابن شاس: فسدوا الفقه « [3] .
ولعل سبب تحفظ هؤلاء من كتب المتأخرين أن بعضهم أدخل في المذهب ما ليس منه، وأنه أقحم فيه أقوال المذاهب الأخرى، أو أنه أعرض عن المشهور إلى الضعيف.
2/ أنها مفسدة للتعليم: وأبرز من لاحظ هذه النقيصة المؤرخ عبد الرحمن بن خلدون (ت807هـ) فقد عنون أحد فصول [مقدمته] بقوله:"إن كثرة الاختصارات المؤلفة في العلوم مخلّة بالتعليم"، ومما جاء تحت هذا الفصل:» وربما عمدوا إلى الكتب الأمهات المطوّلة في الفنون للتفسير والبيان، فاختصروها تقريبا للحفظ، كما فعله ابن الحاجب في الفقه ... وهو فساد في التعليم وفيه إخلال بالتحصيل، وذلك لأن فيه تخليطا على المبتدئ، بإلقاء الغايات من العلم عليه، وهو لم يستعدّ لقبولها بعد « [4] .
3/ أنها مفسدة للعربية: ذلك أنها أخلّت بالفصاحة، وكادت عباراتها أن تكون لغزا، لمبالغة المصنفين في الاختصار. فاقتصر المتفقهون من هذه المختصرات -كما قال محمد بن الحسن الحجوي في [الفكر السامي] -:» على حفظ ما قلّ لفظه، ونزر
(1) الموافقات في أصول الشريعة: 1/ 97.
(2) فتاوى الإمام أبي إسحاق الشاطبي: ص. ص 120 - 121.
(3) المعيار المعرب لأبي العباس الونشريسي: 11/ 142.
(4) مقدمة ابن خلدون: 2/ 694 - 695.