الصفحة 5 من 50

وقد أوضح عدد من الألسنيين المعاصرين مثل: سوسور Saussure وهاريس Harris وبلومفيلد Bloomfield ويلمسليف Hjelmslev وغيرهم من الألسنيين أن اللغة ليست كيسًا من الكلمات، يمكننا أن نقتبس منه الكلمات واحدة واحدة كما نقتبس حروف الطباعة حرفًا حرفًا من صندوق عامل المطبعة. إن اللغة سلسلة من جداول الأنظمة يتوجب انطلاقًا منها إعادة حساب التقابلات عند كل حالة خاصة، فهؤلاء الألسنيون يرون صعوبة ترجمة المعاني من لغة لأخرى؛ وذلك لأن المعنى-كما يقول كاتفورد Catford-ملك للغة الأصلية الذي لا يمكن نقله إلا بصورة جزئية (1) .

وإن نقد هؤلاء الألسنيين للترجمة المعنوية يفسر لنا تفسيرًا علميًا لماذا لم تسر الترجمة الحرفية يومًا سيرًا مرضيًا: لأن الكلمات لا تغطي بالضرورة المساحة التعبيرية نفسها في اللغات المختلفة (2) ."لذلك يعترف الكثيرون بصعوبة ترجمة الأعمال الأدبية، بل إن هناك من يقول باستحالة ترجمة الشعر مثلًا (فكيف بالقرآن الكريم ؟) ، وهذه الصعوبات ليست نتاجًا لماهية الأدب اللغوية بل ناتجة عن أن العمل الأدبي المترجم من لغة إلى أخرى يفقد أشياء كثيرة، إنه يفقد تلك الإشعاعات النفسية والاجتماعية والظلال الذاتية التي تتضمنها اللفظة في اللغة الواحدة، وهذا يدل على ارتباط اللغة بالفكر والإطار الحضاري العام، ومن المجازفة أن ينظر إلى تلك الألفاظ على أنها مجرد رموز، فقد ارتبطت بالفكر الإنساني ارتباطًا وثيقًا وأصبح من الصعب أن نتصور أي نوع من التفكير بغير هذه الألفاظ، فالإنسان يفكر بوساطة هذه الألفاظ" (3) .

(2) جورج مونان، المسائل النظرية في الترجمة، ص: 72.

(3) شكري عزيز الماضي، من إشكاليات النقد العربي الجديد، (بيروت، 1997) ، ط1، ص:38.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت