ولو كان الأمر كذلك لما كان في هذه الفكرة التي يدعو إليها د. العمري جديدٌ ، لأن معناها - والحالة هذه - إبقاء ما كان على ما كان مِن الروايات التي تَتَابعُ عليها هذه المصادر التاريخية .
ثم إنَّ ذِكْر المؤرخ لأمرٍ ما في تاريخه ، ليس شهادةً دائمًا ، وإنما هو - في أغلب الأحوال - روايةٌ . والرواية تختلف عن الشهادة ، لا بل إن المؤرخ في الغالب يَنقل روايةَ غيره ، لا روايته هو ؛ لأنه ليس بوسعه أن يَحْضُرَ كلَّ الوقائع وكلَّ ما يُخْبِرُ عنه ... إلى آخر ما هنالك من الأسباب .
وهذه الكتب بالرغم من ثقة كاتبيها فإنها تحتوي ما يصح وما لا يصح ، ومعلوم أن أهل التاريخ ينقل بعضهم عن بعض .
وقد يقول قائل: نكتفي بشهادة المؤرخ الذي يشترط الصحة فيما ينقله .
قلنا: إِذَنْ رجعنا إلى نقطة الخلاف ، بل وضيقنا على أنفسنا ، بأن جعلنا حكم هذا المؤرخ على الأخبار هو المعتمد دون غيره .
ثم معلوم أن الرواية يَتجوّز فيها الناس -غالبًا- بخلاف الشهادة . ولو كان ما يكتبه المؤرخ في كتابه شهادةً لما ترددنا في قبول شهادة الإمام الطبري وأمثاله . ولكن يبدو لي أن د . العمري -وفقه الله-قد لا يكون أراد بهذه العبارة حقيقةَ معناها ، لأنه ربما استخدم التعبير الأدبي ، فإن كان الأمر كذلك فإنه ينبغي ، في مقام التأصيل العلمي ، أن يتحاشى الإنسان التعبير الأدبي حينما يكون على حساب التأصيل العلمي . والله الموفق .
وبهذا يتبين أنّ المؤرخ:
-إذا روى بالسند فهو ناقلٌ ، والعهدة على غيره .
-وإذا أَخبر فهو ناقلُ الخبر ، والعهدة عليه .
-وإذا حَلّل الخبر والواقعة فهو محلِّل ، لا مُخْبِر ، ولا ناقل ، وفرْق بين الخبر وتحليل الخبر ، وأنه إنما يكون شاهدًا حينما يكون مُخْبِرًا . والواجب التفريق بين هذه المهامِّ في كتاباتنا ؛ وأن لا نَخْلِط الأمور .
7-قوله: (( وتقويم دورهم التاريخي ) ).