ومثلما حكّم الماركسيون العامل الاقتصادي في حركة التاريخ الإنساني ، وأرجعوا مسيرة الجنس البشري وتطوراته إلى التغيرات الاقتصادية وحدها دون سواها ، فجعلوا كل تطور في حياة البشر مردّه إلى العامل الاقتصادي ، ومثلما حكّم الفرويديون العامل الجنسي في العلاقات الإنسانية ، وجعلوا العلاقة بين البشر تقوم على الرباط الجنسي دون سواه .
بل إن الانحراف عن توجيهات الإسلام في ضرورة التناسب بين المنهج والمجال المعرفي أدّى إلى خلل فكري وانحراف عقدي لدى كثير من الفرق التي ظهرت في البيئة الإسلامية ، فقد رأينا أن الإشراقيين حكّموا منهجهم الروحي في عالم المادة فأنتج ذلك شططًا عن الإسلام مثلما فعل أصحاب مذهب الاتحاد والحلول ووحدة الوجود والفيض الإلهي وغير ذلك من مذاهب فلاسفة بعض المتصوفين .
ومثلما حكّم المتكلمون المتأخرون المنطق الأرسطي في علم الألوهية - خاصة - قياس الشمول ، فأدى إلى الانحراف العقدي لديهم ، لأن الله ليس جزءًا فيندرج تحت كل ، تعالى الله عن ذلك (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) (الشورى: من الآية11) بل إن الفرقة التي حدثت بين أهل السنة والمعتزلة كان أساسها المنهجية العلمية ، فرغم اعتراف الجماعتين باعتبار الوحي والعقل مصدرين للعلم إلا أنهم اختلفوا في منهجية التعامل معهما ، فقد بالغ المعتزلة في دور العقل وجعلوه حكمًا على النص وقاضيًا عليه عند التعارض .