الصفحة 15 من 51

أما عن التلازم بين المنهج والموضوع: فهو من أبرز مميزات المنهجية الإسلامية ونجاحها في تحقيق العلم في كل المجالات ، حيث إن لكل موضوع من المعرفة منهجًا يناسبه ، فالبحث في الطبيعة واكتشاف السنن والقوانين الإلهية في الظواهر الطبيعية يلائمه المنهج التجريبي ، والبحث في استنباط الأحكام وتقعيد الضوابط الشرعية يلائمه المنهج الاستدلالي ، والبحث في إثبات الأخبار والمرويات يلائمه المنهج التاريخي ... وهكذا يصبح لكل نوع من المعرفة منهج يلائمه ، بحيث تتولد المعرفة الصحيحة من تطبيق المنهج المناسب لكل مجال من مجالات المعرفة ، وعدم مراعاة التناسب بين المنهج والموضوع يؤدي إلى فساد كبير في مجال العلم ، وهذا ما وقع فيه الفكر الغربي الحديث ، حيث حكّم العلماء هناك مناهج في مجالات لا تناسبها ، مثلما حكّم أصحاب الاتجاه المادي المنهج التجريبي المادي - والذي مجاله علوم الطبيعة والمحسوسات - في قضايا ما وراء المادة ، ورأينا أصحاب هذا الاتجاه ينكرون الغيبيات ويحصرون العلم فيما يخضع للحس والتجربة ، وما لا يخضع للتجربة فليس بعلم وليس بحقيقة بل هو عبث وهراء ، ورأينا ( أوجست كونت ) مؤسس الفلسفة الوضعية وأصحاب ( الوضعية المنطقية ) يحكّمون منهج التجربة والمنهج الرياضي في كل مجالات المعرفة ، وينكرون كل شيء لا يخضع للتجربة أو المنهج الرياضي ، يقول أحد زعماء الوضعية المنطقية: ( إن الجملة التي لا تعبر عن قضية صادقة من الناحية الصورية - الرياضية - ولا عن قضية تجريبية تتجرد من كل معنى ) ويرى هؤلاء: أن ما كان له مدلول في الطبيعة فهو قابل للبحث والحكم عليه بالصواب أو الخطأ ، وأما ما ليس له مدلول في الطبيعة الحسية فهو خداع وهراء ولا ينبغي أن نضيع وقتنا في البحث فيه .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت