الصفحة 36 من 55

يستدعي كتبته الذين فاق عددهم الأربعين ويأمرهم بكتابة جميع ما ينْزل عليه من القرآن، ويشير إلى مواضع الآيات من السور، وهو ما يشير إليه زيد بن ثابت (رضي الله عنه) بقوله: (( كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم نؤلف القرآن من الرقاع ) ) [1] فكل هذا يدل على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته كانوا يفكرون في حفظ القرآن مدونًا ومكتوبًا لمن يأتي بعدهم، غير أن جمعه في مصحف لم يكن ممكنًا آنئذ؛ لأنه عليه السلام كان ينْزل عليه القرآن منجمًا طوال ثلاث وعشرين سنة، فكان يترقب كل مرة ورود زيادة أو نسخ لبعض الأحكام أو التلاوة.

ومن أمثلة هذا المنهج الإسقاطي أيضًا ما ذهب إليه بعضهم من أن تمايز أسلوب القرآن المكي عن الأسلوب المدني يرجع إلى بيئة قريش المنحطة وبيئة المدينة المتقدمة والمتحضرة، فإذا كانت الآيات المكية قصيرة فلأن معظم أهالي مكة أميون جاهلون، وإذا كانت الآيات المدنية طويلة وواضحة فلأن البيئة المدنية مثقفة واعية ومتأثرة بالنفوذ اليهودي المهيمن عليها.

ومن المستشرقين من قال: (( إن اختلاف الأسلوب بين العهد المكي والعهد المدني يُعدُّ انعكاسًا واضحًا للبيئة التي وجد فيها، فالنصوص القرآنية تعكس طبيعة وبيئة وظروف كل مكان وكل زمان ـ فالأسلوب القرآني يمتاز في مكة بالشدة والعنف؛ لأن أهلها أجلاف بينما يمتاز في المدينة باللين والوضوح والصفح؛ لأن أهلها مستنيرون ) ) [2] .

(1) الإتقان للسيوطي 1/ 164.والحديث أخرجه الحاكم في مستدركه 2/ 611، وصححه على شرط الشيخين ووافقه الذهبي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت