الصفحة 37 من 55

لا شك أن هدف المستشرقين من هذا الكلام الذي يرمي إلى إثبات دعوى تأثر القرآن وأسلوبه بالبيئة التي نزل فيها هو القول بأن القرآن من كلام محمد صلى الله عليه وسلم لا كلام الله تعالى. ويتجاهل المغالطون من المستشرقين الذين يعلمون جيدًا مراحل تطور الدعوة الإسلامية من مكة إلى المدينة أن خطاب أهل المدينة لا يمكن أن يكون مماثلًا لخطاب أهل مكة، فتأسيس الدولة الإسلامية في المدينة في ظل بيئة جديدة قد أصبح يستدعي التفصيل في التشريع وبناء المجتمع الجديد، فلا غرو إذن أن يطنب القرآن بعدما كان يوجز، ويفصل بعدما كان يجمل. أما في مكة فقد كانت الآيات التي تنْزل تشتد في تسفيه أحلام المشركين ومقارعتهم بالحجج وتحديهم. فالأمر كان يتعلق بتأسيس أسس العقيدة الصحيحة وتدمير معالم العقائد الوثنية السائدة. كما أن طبيعة الأسلوب القرآني قد اختلفت من مكة إلى المدينة؛ نظرًا لمراعاة حال الدعوة وتدرجها وليس في ذلك أدنى مراعاة لمدى تحضر أو تخلف الأقوام المخاطبين، كما رمى إلى ذلك زمرة المغالطين والمغرضين من المستشرقين.

يضاف إلى هذا أن القرآن المكي لم يتفرد وحده بالعنف والشدة، فالقرآن المدني يحتوي على هذه الخصائص في العديد من آياته كتلك التي تحرم الربا وتهدد أهل الكفر بالنار وسوء العذاب. بالمقابل، فإن كثيرًا من السور المكية تشتمل على آيات كثيرة تنجلي منها عبارات الصفح واللين والعفو، منها قوله تعالى في سورة فصلت المكية: {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ} [فصلت: 33] وقوله في سورة الزمر المكية:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت