الصفحة 11 من 18

أنه إمام لا يلحقه من بعد عصره وقلّ من يساويه بل يدانيه من أهل وقته ودهره، وذلك فضل الله يُؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم )) [شرح النووي: 1/ 23] .

وهذا هو رأي غيره من العلماء الفاهمين المهتمين بالحديث، ولم يكن قولي إلا اختصارًا لأقوالهم بعد قناعتي بصوابها ووجاهتها، إلا أن الأستاذ يفهم من قولي شيئًا غريبًا، ثم يتساءل (( كأن الإمام مسلم من كبار أهل الباطن؟ وما هي وجوه الاختلاف التي وردت في رواية ذلك الحديث؟ وما أثرها؟ إن وجوه الاختلاف تدل على الاضطراب والعلل ... ) )وإن دلَّ هذا على شي فإنه يدل على مدى بُعْده عن هذا العلم العظيم.

ومن ثَمَّ خلط الأمور تخليطًا فاحشًا، إذ جعل الاختلاف فيما اختاره الإمام مسلم في صحيحه من الروايات الصحيحة الثابتة، وهو تخليط فاحش بل تحريف كلامي عن ظاهره، لأنني لم أقل إن الوجوه والاختلافات التي يستحضرها الحفاظ هي ذات ما أورده مسلم في الصحيح من الروايات الصحيحة، وإنما جعلتها في رواية الحديث عمومًا، حيث قلت: (( ... الحفاظ الذين إذا سمعوا ذلك الحديث يستحضر في قلوبهم كل الوجوه التي وردت في رواية ذلك الحديث واختلافها ) ).

وأنت خبير أن الإمام مسلمًا وغيره من أصحاب الصحاح يختارون روايات الثقات ويصنّفوها على اختلاف مناهجهم.

وللتوضيح أقول: إن الرواة في غالب الأوقات لا يتفقون عند روايتهم للأحاديث إلا إذا كانوا ثقات متقنين، وأما الرواة الضعفاء فعندما يُشاركون الثقات في الرواية يوافقونهم أو يخالفونهم حسب الخلل في ضبطهم، وأما المتروكون فدائمًا يُخالفونهم اللهم إلا نادرًا.

فهذا هو السر في تقسيم الإمام مسلم للأحاديث ورواتها على ثلاثة أقسام، واختياره منها ما تناقله الثقات، ومن دونهم إذا لم ينفردوا به، وتجنب المتروكين، كما يأتي بيانه مُفصلًا إن شاء الله تعالى.

فالحديث عندما يشترك في روايته الثقاة والضعفاء والمتروكون فيندر الاتفاق بينهم فيه، إذ أن المتروكين لا يضبطون أحاديثهم سندًا ومتنًا، ولا يتقنون ما سمعوه من شيوخهم من الروايات، فيتخبطون عند التحديث بها، ويقبلون الإسناد بإضافة الحديث لغير راويه، أو يتداخل

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت