عليهم الأسانيد وما إلى ذلك من الأوهام، وأما الثقات فيضبطون الحديث وويتقنون روايته كما سمعوا من شيوخهم إلا نادرًا، والضعفاء الثقة ثقة والضعيف ضعيفًا والمتروكون متروكًا.
فشأن الحديث حين يصل إلى الطبقات المتأخرة من الرواة الذين تدور عليهم الأحاديث أن يتكون منه تاريخ ذو أبعاد، يستفيد منه جهابذة المحدثين أمورًا علمية، وثروات من المعلومات التي تتعلق بأحوال الرواة والمرويان.
وعلى سبيل المثال أذكر حديث عمر بن الخطاب عن النبي صلى الله عليه وسلم (( إنما الأعمال بالنيات ) )وهو من الأحاديث المشهورة الصحيحة، فلما وصل هذا الحديث إلى يحي بن سعيد بدأ يشتهر في مُختلف البلدان، وتتعدد الطرق عنه، لكنه قبل رواية يحي بن سعيد فردٌ غريب، ولم يروه عن محمد بن إبراهيم إلا يحي بن سعيد، ولم يروه عن علقمة إلا محمد بن إبراهيم، ولم يروه عن عمر إلا علقمة، كما قرره الناقدون.
ويحي بن سعيد الأنصاري إمام الأئمة المشهورين بالمدينة حفظًا وجمعًا واتقانًا، يجتمع في حلقته جمع كبير من طلبة الحديث من مختلف البلدان ليسمعوا منه الأحاديث، ومن المُسْتحيل عُرْفًا أن يكون هؤلاء الرواة كلهم في حالة واحدة من الضبط وقوة الذاكرة والحفظ والإتقان والاهتمام والتركيز والنشاط، فإن فيهم الثقات من أهل المدينة وغيرها، وفيهم الضعفاء والمتروكون، كما هو واضح من تقسيم الأئمة أصحاب الزهري وغيره من حُفّاظ الحديث الذين تدور عليهم الأحاديث، وإذا أردتَ المزيد من التفصيل فعليك أن تراجع الصفحات التالية من كتاب (( شرح العلل ) )لابن رجب الحنبلي (تحقيق صبحي السامرائي ـ 230 ـ 233 ـ 261 ـ 307) .
فحين روى الضعيف أو المتروك هذا الحديث عن يحي أو عن أحد من الصحابة بدأيتخبط فيه وينقلب عليه الإسناد، ويُضيف الحديث إلى غير عمر، أو يُغيّر ما سمعه منه إما تعمّدًا أو خطأ، كما وقع ذلك فِعْلًا في رواية هذا الحديث، فقد نسبه نسبه بعضهم إلى أبي سعيد، وآخر إلى علي بن أبي طالب، وآخر إلى أنس، وآخر إلى أبي هريرة، وأما الثقاة فيحفظونه ويضبطونه ويتقنونه ثم يحدثون به عن يحي بن سعيد كما سمعوا منه غالبًا.