عليها إلا الحفاظ الذين إذا سمعوا الحديث يستحضر في قلوبهم كل الوجوه التي وردت في رواية ذلك الحديث واختلافها، كيف يُصرّح بتجنب هذا النوع والابتعاد عنه، ثم يُحاول في خِلْسة أن يدسّ كل الوجوه التي وردت في رواية ذلك الحديث (أي حديث في أي باب) واختلافها؟ فهل يستجيز هذا الأسلوب أحد يُؤمن بالله ويحترم نفسه ودينه وصدقه وأمانته ونُصْحه )) اهـ.
قلتُ: يُؤسفني أن أقرأ هذا التعليق من الأستاذ الفاضل الذي قضى حياته في جوٍّ علمي جامعي حتى أصبح أستاذًا مشاركًا ورئيس شعبة السنة بالدراسات العليا بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة؛ مما يمكن الإنسان عادةً استفادة علمية حديثية، واطلاع واسع على الحقائق الإسنادية والأمور التي تحف برواية الحديث، وعلى كل حال يذكرني هذا كان هو يُردده:
وللحديث رجال يُعرفون به ... وللدواوين حسُاب وكُتّاب
وبيتًا آخر:
وكم من عائبٍ قولًا صحيحًا ... وآفته من الفهم السقيم
فاعلم أيها الأستاذ مهما خفي عليك الموضوع، ومهما كنت بعيدًا عن منهج المحدثين، فإن الخصائص الاسنادية والدقائق العلمية التي تحفّ بالروايات تتبلور من منهج الإمام مسلم في صحيحه لكل من له ممارسة حديثية ودراية تامة عن مناهج المحدثين النّقاد، دون من تدربوا في دراستهم الحديثية على نظر سطحي قائم على صفحات كتاب التقريب، وإن كانوا من حملة شهادة الدكتوراه في الحديث فشتان بينهم وبين الإطلاع على شي من تلك الحقائق العلمية، وتظل المسائل الإسنادية والدقائق النقدية قضايا باطنية بالنسبة إليهم، ولا يكون الوقوف عليه أمرًا ميسرًا لهم فالإمام مسلم لا يكون من أهل الباطن إن خفي عليهم شي من الخصائص الإسنادية التي راعاها مسلم في ترتيب الأحاديث في الصحيح.
يقول الإمام النووي ـ رحمه الله ـ:
(( ومن حقق نظره في صحيح مسلم ـ رحمه الله ـ واطلع على ما أودعه في أسانيده وترتيبه وحسن سياقه وبديع طريقته من نفائس التحقيق وجواهر التدقيق وأنواع الورع والاحتياط والتحرّي في الرواية وتلخيص الطرق واختصارها وضبط متفرقها وانتشارها وكثرة اطلاعه واتساع روايته وغير ذلك مما فيه من المحاسن والأعجوبات واللطائف الظاهرات والخفيات علم