والنصوصُ المؤيدةُ لهذا المعنى واردة في مواضِعَ مِن حَديثِ النبي"ص"فإذا كانتِ الفِطرَةُ هيَ دينَ الإسلامِ فيكونُ المُرادُ بِما أُضيفَ إليها أن ذلكَ مِن دينِ الإسلامِ، واذا كانَ جميعُ الدينِ فِطرَة فجميعُ شعائرهِ فِطرَة، فحينَ يذكُرُ النبي"ص"قص الشاربِ ونَتفَ الإبِطِ وشِبهَها أنها مِنَ الفِطرَةِ، فذلكَ دليل على أنها مِنَ الإسلامِ.
ومُجردُ نِسبَةِ كون الشيءِ مِنَ الإسلامِ لا تَكفي أن تُعطِيَهُ حُكمَ الإلزامِ بهِ، فالواجِبُ مِنَ الإسلامِ والمندوبُ والمُباحُ كذلكَ، وإنما تُعرَفُ درجَةُ الشيئِ مِنْ ذلكَ مِن نُصوصِ أخرى غيرِ الإضافَةِ إلى الفِطرَةِ، نعم أدنى ما تُفيدُهُ هذه النًسبةُ حُسنُ ذلكَ الفِعلِ.
فلو صح أن إعفاءَ اللحية مِما ثَبتَ البُرهانُ أنه مِنَ الفِطرَةِ، فهيَ إضافَةْ مُفيدَة لحُسنِهِ، وحيثُ قررنا أن كُل شَعائرِ الدينِ فِطْرَة، والدينَ يُستَفادُ مِن عُمومِ الهَديِ النبوي، واللحيَةَ مِما أبقاهُ النبي"ص"ولم يُزِلْهُ كما شرعَ إزالَةَ شعر الإبِطِ مَثَلا، فذلكَ دليلْ على حُسنِها، وأنها فِطرَة بهذا الاعْتِبارِ، لكنها لا تعدو أن تكونَ فَضيلَة مُجردةَ، ويحتاجُ تَصييرُها بمنزلةِ المطلوبِ المأمورِ بتَحصيلِهِ نَدبا أو وجوبا إلى دليلٍ آخَرَ، فهذا لا ينتَهِضُ وحدَهُ.
وأما كون بعض النصوصِ ذكَرَتِ اللحية عَنْ بعض أنبياءِ اللّهَ عليهِمُ الصلاةُ والسلام، فليسَ في مُجردِ الخَبَرِ ما يدل على أنها مِنَ الشرائِعِ المأمورِ بها، خُصوصا أن إعفاءَ اللحية مِن بابِ التروكِ، والتروكُ قد تَقَعُ مُجرَدة عنِ القَصدِ، ولو زَعَمَ زاعِمْ أنها وَقَعَت منهُم امتِثالًا لأمرٍ فقد قالَ بغَيرِ عِلمِ، فإتَهُ لم يَرِد شي مِن ذلكَ، بِخِلافِ ما تأولهُ ابنُ عباس رَضِيَ اللّهُ عنهُما بخُصوصِ سَجدَةِ ص، فإنها فعل ، والسجودُ عِبادَة في نَفسِهِ، ونَباتُ الشعَرِ ليسَ عِبادَة في نَفسِهِ، وليسَ فِعْلا للمُكلَّفِ.