ومنْهُمْ مَن ِذْكُرُ في هذا خَبَرا غَريبا جِدا، وهُوَ ما رُوِيَ عن هِشامِ بنِ العاصِ الأمَوي قالَ: بُعِثتُ أنا ورجُل آخَرُ مِن قُرَيش إلى هِرَقلَ، فذكَرَ قِصةَ لقاءِ هِرَقَلَ، وفيها أنه أراهُم صوَرَ الأنبياءِ، فرأوا صورَةَ نوح، وأنه (حَسَنُ اللحية) ، وإبراهيمَ، وأنه (أبيَضُ اللحية) ، وعِيسى، وانه (شَديدُ سَوادِ اللًحيَةِ) .
قالُوا: فهذا هديُ الأنبياءِ علَيهِمُ السَّلامُ، فلَولا ان مِنَ الفِطرَةِ اتخاذَها لَما اتخذوها.
وكذلكَ، فإنها حينَ تكونُ مِن هَدي الأنبياءِ فهِيَ مِما أُمِرَ نَبينا"ص"بالاقتِداءِ بهِ، كَما قالَ تعالى: ( أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده) الأنعام: 95،.
وعَنِ العوامِ بنِ حَوشَب قالَ: سألتُ مُجاهِدا عَنْ سَجدَةِ في (ص ) ؟ فقالَ: سألتُ ابنَ عباس: مِن أينَ سَجَدتَ؟ فقالَ: أوَ ما تَقرأُ: (وَمِن ذُرِّيته داوود و سليمان) الأنعام: 84،، (أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده) الأنعام: 90،، فكانَ داوُدُ مِمَن أُمِرَ نبيكُم"ص"أَن يقتَديَ بهِ، فَسَجَدَها داوُدُ عليهِ السلامُ، فسَجَدَها رَسولُ اللّهَ"ص".
وأقولُ: أما الاستِدلالُ بأنَ إعْفاءَ اللحيَةِ مِنَ الفِطرَةِ بحَديثِ عائشةَ المُشارِ إليهِ، فقد بينْتُ أنهُ حَديثْ مُنْكَر لا يثبُتُ إسنادُهُ، فارجِغ إليهِ في البابِ الأول.
فإذا لم يثبُتْ افْتَقَرَ إلى بُرهان ثابتِ للقول بهِ.
وَلوْ سَلَمنا أن إعفاءَ اللحية مِن خِصالِ الفِطرَةِ، فليسَ في ذلكَ غيرُ إثْباتِ الحُسنِ، وأقصى ما يُفيدُ الاستِحبابَ، وقدِ اتفقوا أن خِصالَ الفِطرَةِ الثابتَةَ كتقليمِ الأظافِرِ وحَلقِ العانَةِ والسواكِ وقَص الشارِبِ ونَتْفِ الإبِطِ مُسْتَحبات، وخالَفَ قَليل مِنَ العُلماءِ في بعض ذلكَ، سِوى الخِتانِ فأكثرهُم على فرضيتِهِ، وهذا شائعَ في كُتُبِ العِلْمِ، وليْسَ من مَقصودِنا التعرضُ لتَفصيلِهِ.