فهَلْ يصح الاسْتِدْلالُ بأكْثَرَ مِن دلالةِ تلكَ الأحاديثِ الثلاثةِ: حَديثِ ابنِ عُمَرَ، وأبي هُرَيرَةَ، وأبي أُمامَةَ، وما تضمنَتْ مِنَ الأمرِ بالمُخالفَةِ للكُفارِ بإعْفاءِ اللحية وقَصً الشارِبِ، وتِلكَ قد تقدم وجهها وما تدلُّ عليهِ بِما لا يرْقى إلى مُبالَغاتِ مَن جَعَلَ قضيةَ اللحية مِن أمورِ الإسْلامِ الكِبارِ وفرائضهِ المتحتمَةِ، وحَلْقَها مِن المعاصي الكِبارِ والمآثِمِ العَظيمَةِ.
فادعى طائفه الاستِدلالَ بالوُجوهِ التاليةِ:
الوَجهُ الأول، قالوا: اعفاءُ اللحيَةِ مِنَ الفِطرَةِ، وحَلقُها أو قَصها الشديدُ خروجٌ عَنٍ الفِطرَةِ.
وبَنَوا ذلكَ جَميعا على حَديثِ عائِشةَ"عَشر مِن الفِطرَةِ"وفيهِ: إعفاءُ اللحية.
وعليهِ قالوا: إعفاءُ اللحية فِطرَة، والإسلامُ دينُ الفِطرَةِ، ولذلكَ كانَتْ سَمتَ الأنبياءِ عليهِم الصلاةُ والسلام.
واستَشهَدوا لذلكَ بِما جاءَ في صِفَةِ بعض الأنبياءِ، وذكَروا في هذا ما ثَبتَ أن النبي"ص"كانَتْ لهُ لحية، وذلكَ مِمَا جَرى مِنه"ص"موافقة للفِطرَةِ التي كانَ عليها أبوهُ إبراهيمُ الخليلُ"ص"، فإنَّ نبيَّنا"ص"قالَ فيما جاءَ عتهُ مِن صِفَةِ الأنبياءِ ليلةَ الإسراءِ: "أَنا أَشبَهُ وَلَدِ إبراهيمَ"ص"به" ، فكونُهُ"ص"يُشبِهُ إبراهيمَ، وأنه كانَت لهُ لحية، دَليل على أن إبراهيمَ كانَت لهُ لحية ، وهِيَ مِما بَقِيَ في العَرَبِ مِن مِلتِهِ، حتى اتخَذَها نبيُّنا"ص"اتباعا للفِطرَةِ التي كانَ عليها إبراهيمُ الخليلُ.
وكذلكَ ذكَرَ اللهُ عن هارونَ عليهِ السلامُ: (يابن أُم لا تأخذ بلحيتي) طه: 94،، وهذا مِن اتًباعِ وَلَدِ إبراهيمَ عليهِ السلام لسُنتِهِ.