أما كانَ يكفي هؤلاءِ أن يقولوا: حَلقُ اللحية بفَهمِنا محرم، وفَهْمُنا صواب يحتَمِلُ الخَطَأ، وفَهمُ غيرِنا خطأ يحتَمِلُ الصوابَ، أما عَلِمُوا كيفَ يُفرقونَ بينَ حُكمٍ مُستفاد مِن قَطعي النصوصِ دلالةَ، وحُكمٍ مِن ظنِّيِّها؟ إنهم يُحبونَ لأنْفُسِهم أن يُعْذَروا لو أخطأُوا، أفما كانَ يجدُرُ بهم أن يَعْذُروا مَن خالَفَهُم في ذلكَ؟ فإن الأوصافَ المتقدمةَ إذا كانَت في نظَرِ هؤلاءِ تلحَقُ مَن يحلِقُ لحيتَهُ، فكيفَ الشأنُ بمَن أفتاهُ أو رخَّصَ لهُ بِناء على القول بالكَراهَةِ، أو حتَى بالإباحَةِ؟ فتأمل كَم يجر التَنطُعُ على صاحِبِهِ مِن فَسادِ الرَأيِ والوُقوعِ في الظلمِ؟!
ولَستُ متعرضا في هذا الفَصلِ لدَفعِ هذا الفاحِشِ البَذيءِ مِنَ القول، وإنما لِما تمسكَ بهِ هؤلاءِ أو بعضهُمْ مِنْ وجوهِ الاسْتدلالِ لبعْضِ ما استَنْتَجوا منه بعض هذه الأحكامِ، وسأجري على ذِكْرِ القول ودَليلِهِ دونَ ذِكرِ مَن قالَهُ، لأن القائِلَ لا يخلو مِن أن يكونَ عالما فاضِلًا واستدلالهُ بذلكَ مِن زَلاتِهِ، فتركُ تسميتِهِ أجمَلُ إكراما لهُ، أو مُتَعالما مُتكلًفا وهذا يُطمَرُ ولا يُذكَرُ.
فاعلَم أنَّ تلكَ الاستدلالاتِ تَرجع إلى جَمعِ وجوه مُختلفة مِنَ الأدلَةِ يزيدُ ضم بعضها إلى بعْضِ في قوَةِ الحُكمِ، ومِن حيثُ الإجمالُ، لا رَيبَ أن الدليلَ على المسألةِ قدْ تتعدَدُ أفرادُهُ فيخْلُصُ مِن مَجموعِها ما لا يدل عليهِ بَعْضُها، فالكلامُ إنما يقَعُ في صحَةِ الاستدلالِ، فلو ثَبَتَ فلا مانِعَ مِن إفادَةِ قوةِ الحُكْمِ.