لكن هذا لم يَكتَفِ بهِ كثير مِمن تكلمَ في حُكمِ اللحيَةِ، قليلْ مِنَ السابقينَ مِنَ الفُقهاءِ وأكثرُهُم مِنَ المعاصرينَ، وقالُوا: لم يقتَصر ما وَرَدَ في اللحيَةِ على الأحاديثِ الثلاثةِ الآمِرَةِ بها لأجلِ مخالفةِ الكُفارِ، وإنما فيها محاذيرُ شرعيةْ أخرى، تُصيرُ الإعفاءَ فَرضا، والحَلْقَ مُحرَما، ولم تكتفِ طائفَة- مَمَن أشَرتُ إليهِ آخِرَ المبحث السابق- بوَصفِ الحُكمِ بالفرضيةِ فِعلَا، والتحريمِ تركًا، وهُوَ الأليَقُ في العِلمِ، وإنما جاوَزت ذلكَ إلى ألفاظ مُستَقبَحَة لم تَجرِ نُصوصُ الشرعِ ولا الآثارُ باستِعمالِها، مِما ينبغي أن يتنزهَ عتهُ مَن يتكلمُ في دينِ اللَهِ، وإنما قَصدُوا بذلكَ التهويلَ والتفخيمَ حَملا للمُخاطَبينَ مِنَ المسلمينَ على امتِثالِهِ وتَقبيحا لفِعلِ ضِدهِ، مِما رتبَ عليهِ كثيرا مِن فُروعِ الأحكامِ سبَّبَتها تلكَ المُبالَغاتُ، بل صيرت حُكمَ مسأله مُختَلَف فيها أعظَمَ في الذكرِ مِن مسائلِ الدينِ المُتفَقِ عليها.
فيقولونَ: حَلقُ اللحية كبيرة، وتارةَ: فِسق، وتارة: جَهالَةْ وسَفَهَ، وتارة: أنوثَةْ، وتارة: تخنثْ، وتارةَ: مسخ وتَشوية، وتارة: لوطية، وتارةً: أشَدُ مِنَ الزنا واللواطِ وشُرْبِ الخَمرِ، لأن صاحِبَها مُتلبس بها لا يتوبُ، وتارة وهيَ أشدها: كُفر!!!.
والذي نعلَمُهُ مِن دينِ الإسلامِ أن الكُفرَ هُوَ أن يَفتَريَ الإنسانُ على اللّهِ الكَذِبَ.