الصفحة 9 من 25

المعتبرين على السكوت عنها، وعدم إخراجها. ولست أدري: لم أخرجها هؤلاء؟ أأخرجوها لأنها لا يتعلق بها حكم شرعي؟ وكيف يصح هذا مع أنها من الأفعال الاختيارية المكتسبة، وكلُّ فعلٍ اختياري من المكلف لا بد أن يتعلق به حكم شرعي - من وجوب أو ندب أو إباحة أو كراهة أو حرمة -، وفعل النبي الطبيعي مثل الفعل الطبيعي من غيره؛ فلا بد أن يكون تعلق به واحد من هذه الأحكام؟ وليس هذا الحكم الكراهة ولا الحرمة لعصمته. وليس الوجوب ولا الندب؛ لعدم القربة فيه. فلم يبق إلا الإباحة؛ وهي حكم شرعي. فقد دل الفعل الطبيعي منه صلى الله عليه وسلم على حكم شرعي؛ وهو الإباحة في حقه، بل وفي حقنا أيضا، {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} [الأحزاب: 21] . ولقد أجمع المؤلفون في باب أفعاله - ومنهم شارحا التحرير [41] - على أن أفعاله الطبيعية تدل على الإباحة في حقه صلى الله عليه وسلم وفي حق أمَّتِهِ، وكلٌّ يحكي الاتفاق على ذلك عن الأئمة السابقين.

أم أخرجوها لأنهم ظنوا أن الإباحة ليست حكما شرعيا؟ وهذا لا يصح أيضا؛ فإن الأصوليين مجمعون على شرعيتها ... فالإباحة حكم شرعي يحتاج إلى دليل، والفعل الطبيعي منه صلى الله عليه وسلم يدل عليه كما بيناه؛ فكيف يسوغ لأحد بعد ذلك إخراجه من السنة؟

أم أخرجوها لأنه قد اختلط عليهم معنى السنة في الأصول بمعناها في الفقه، حيث هي هنا قاصرة على ما ندب أو على بعض أنواعه، أو على ما هو مطلوب طلبا جازما أو غير جازم، فظنوا أن السنة في الأصول قاصرة قصور السنة في الفقه، وأنها هي ما دلت على وجوب أو ندب من أفعاله، والفعل الطبيعي لا يدل على واحد منهما، فلا يكون من السنة التي هي أصل من أصول الأحكام، وهذا الظن خطأ محض؛ فإن معنى كون السنة دليلا؛ أنها تفيدنا حكما من الأحكام الشرعية، أيَّ حكمٍ كان من وجوبٍ، أو ندبٍ، أو إباحة، ٍ أو كراهةٍ، أو حرمة، أو حكمٍ وضعيٍّ كسائر الأدلة.

ولم يزعم زاعم قصر دلالتها على ما عدا الإباحة، ونظرة واحدة في باب أفعاله صلى الله عليه وسلم - في أي كتاب من كتب أصول الفقه - ترشدك إلى الحق في هذا الموضوع.

أم أخرجوها لأنها - بسبب كثرتها وفواتِهَا الحصرَ والعددَ - تعجزُ القوى البشرية عن ملاحظتها حين وقوعها، وعن ملاحظة تطبيق القوانين السماوية عليها؟ وهذا أيضا في غاية السقوط. فإنَّا نَجِد - من آحاد الأمة المتقين - من يراقب ربه، ويطبق أحكامه على كل حركة من حركاته، وكل سكنة من سكناته، فما بالك بسيد المرسلين، ورئيس المعصومين وإمام المتقين؟ ثم إنه ليس من شرط الفعل المباح أن يقع مصحوبا بقصد ونية؛ فإن ذلك إنما هو شرط القرب والطاعات. ويكفي المكلف أن يعلم أن نوع القيام ونوع القعود ونحوهما، أفعال مباحة ما لم يطرأ ما يصيرها محرمة أو واجبة مثلا. فإذا فعل فردا من أفراد نوع القيام مثلا؛ لا يلزم أن يلاحظ إباحته» [42] .

قلت: كلام الشيخ عبد الغني يُلَخِّصُ كل ما تَقَدَّمَ ذكرُهُ ويزيد عليه، وزُبْدَتُهُ أن هذا الحدَّ بين قِسْمَي السنَّة غير مُتَصَور، لأن السنة بأكملها لا تخلو من أن تفيد شرعًا وحكما، أقله الإباحة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت