مجانبٌ للصواب من كل وجهٍ، وكان يكفي لردِّهِ من أساسه هذا البيان - أعني بيان أن كل ما صدر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يفيد حُكمًا شرعيًا أدناه الجواز والإباحة.
4.تقسيم السنة بهذا الاعتبار تقسيم مُحدثٌ غير معروف عند جمهور السلف:
تقسيم السنة النبوية إلى"تشريع"و"غير تشريع"، أو سنة"تشريعية"وسنة"إرشادية"، هو - بهذا المعنى وبهذا الاصطلاح - تقسيمٌ حادثٌ لم يكن معروفًا عند جماهير علماء الأصول والحديث والفقه وغيرهم.
يقول الشيخ موسى شاهين لاشين: «هذه القضية (السنة كلها تشريع) لم يخالف فيها أحد من علماء المسلمين في أربعة عشر قرنا مضت، ولم نسمع ولم نعلم أن واحدا من علماء المسلمين قسَّم السنة (أي الحديث) إلى تشريع وإلى غير تشريع، حتى كان النصف الثاني من القرن الخامس عشر الهجري، فكان أول من قسم السنة إلى تشريع وإلى غير تشريع فضيلة الشيخ محمود شلتوت في كتابه (الإسلام عقيدة وشريعة) . ويقول الدكتور يوسف القرضاوي: (وعن الشيخ شلتوت أخذ الكثير من المعاصرين فيما كتبوه عن السنة وتقسيمها إلى تشريعية وغير تشريعية) » [39] .
5.خَفَاءُ ضابط التفريق بين السنة"التشريعية"و"الإرشادية"وعَدَمُ دِقَّتِهِ: لم يحدد أصحاب هذا المسلك، ضابطًا دقيقًا يمكن من خلاله التمييز بين ما صدر منه صلى الله عليه وسلم كتشريع ودين لأمته، وما ليس كذلك.
وإخراجهم لما كان متعلقًا بشؤون الدنيا المختلفة، وما كان ذا علاقة ببيئته صلى الله عليه وسلم، أو عاداته، أو أفعاله الطبيعية، أو ما كان مستنده التجربة من السنة التشريعية لا يُسَلَّمُ له فيه لسببين اثنين:
الأول: أن فعله صلى الله عليه وسلم لهذه الأمور كأكله لطعام معين، أو شربه من شراب محدد، أو إقرار الناس على زراعة ما، أو صناعة؛ كل ذلك يدل على إباحة ذلك الأمر لأمته، والإباحة حكم شرعي كما تقدم.
الثاني: «أن شؤون الدنيا يتعلق بها أمران: الأمر الأول: ما يختص بكيفية هذه الشؤون من ناحية الصنع والإدارة؛ فهذه متروكة للمختصين. وأما الأمر الثاني: فهو ما يتعلق بالناحية التكليفية من حيث الحل والحرمة؛ فهذا خاص بالشرع؛ حيث بَيَّنَ ما هو الحلال من الأعمال والصنائع والزراعة والتجارة، وما هو حرام. بل ومن حيث الوجوب والندب والتحريم والكراهة والإباحة؛ حيث أن هذه الأمور الدنيوية منها ما هو واجب، سواء كان واجبا عَيْنِيًّا أو كفائِيًّا أو مندوبًا ... إلخ. والخلاصة أن فعل المكلف مهما كان وكيفما كان فهو يتعلق به حكم شرعي؛ حتى وإن كان الإباحة؛ لأن الإباحة حكم شرعي لا شك في ذلك. فعلى هذا؛ فأمور الدنيا أيضا خاضعة للحكم الشرعي بالاعتبار السابق» [40] .
ولخفاء ضابط التفريق بين ما هو شرعٌ ودينٌ من سنته صلى الله عليه وسلم وما ليس كذلك عند القائلين بهذا التفريق؛ أبدى الشيخ عبد الغني عبد الخالق تَعَجُّبَهُ من إخراج الأمور الطبيعية من السنة التشريعية.
قال - في كلام طويل - ناقش فيه تقسيم الشيخ ولي الله الدهلوي الذي سبق الإشارة إليه - ننقله بتمامه لما فيه من الإفادة: «وإخراج الأمور الطبيعية من السنة أمر عجيب، وأعجب منه: أن يدعي بعضهم ظهوره مع إجماع الأئمة