الصفحة 7 من 25

لا تخلوا أحكام الشرع من الخمسة: أمَّا الوجوب والتحريم فظاهر مصادمتها لمقتضى الاسترسال الداخل تحت الاختيار؛ إذ يقال له: افعل كذا. كان لك فيه غرض أم لا، ولا تفعل كذا. كان لك فيه غرض أم لا، فإن اتفق للمكلف فيه غرضٌ موافقٌ، وهوى باعثٌ على مقتضى الأمر أو النهي؛ فبالعرض لا بالأصل، وأَمَّا سائر الأقسام - وإن كان ظاهرها الدخول تحت خيرة المكلف -؛ فإنما دخلت بإدخال الشارع لها تحت اختياره؛ فهي راجعةٌ إلى إخراجِهَا عن اختيارِهِ. ألا ترى أن المبَاحَ قد يكونُ لَه فيه اختيار وغرض، وقد لا يكون؟ فعلى تقدير أن ليس له فيه اختيار، بل في رفعه مثلا، كيف يقال: إنه داخل تحت اختياره؟ فكم من صاحب هوى يود لو كان المباح الفلاني ممنوعا؛ حتى إنه لو وُكِّلَ إليه مثلا تشريعُهُ لحرَّمَه، كما يطرأ للمتنازعين في حقٍ.

وعلى تقدير أن اختياره وهواه في تحصيله يَوَدُّ لو كان مطلوب الحصول؛ حتى لو فُرِضَ جَعْلُ ذلك إليه لَأَوجَبَه، ثم قد يصير الأمر في ذلك المباح بعينه على العكس، فيحب الآن ما يكره غدا، وبالعكس؛ فلا يستتب في قضيةٍ حكمٌ على الإطلاق، وعند ذلك تتوارد الأغراض على الشيء الواحد، فينخرم النظام بسبب فرض اتباع الأغراض والهوى؛ فسبحان الذي في كتابه: {وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ} [المؤمنون: 71] .

فإذًا إباحة المباح مثلا لا توجب دخوله بإطلاق تحت اختيار المكلف، إلا من حيث كان قضاءً من الشارع، وإذ ذاك يكون اختيارُه تابعًا لوضعِ الشارعِ، وغرضُهُ مأخوذا من تحت الإذن الشرعي، لا بالاسترسال الطبيعي، وهذا هو عين إخراج المكلف عن داعية هواه حتى يكون عبد لله» [34] .

وهذا كلام نفيسٌ من الإمام الشاطبي، بَيَّنَ فيه كيف لحكم الإباحة الشرعي أن يُخْرِجَ الإنسان عن داعية هواه، فلا تَكُون إباحة المباح داخلةً تحت اختيار المكلَّفِ في كل الأحوال؛ لأن هواه قد يكون غير مريدٍ لذلك الحكم، بل قد يكون مريدا لحرمته [35] .

3.أفعال رسول الله صلى الله عليه وسلم العادية والجبلية تفيد حكم"الإباحة الشرعي": إذا تقَرَّرَ أنَّ المباحَ حكمٌ شرعيٌ تكليفيٌ، وعُلم أيضا أن كل ما صدر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يفيد حكما شرعيا أدناه الإباحة، بل حتى أفعاله المجردة والتي لا يظهر فيها قصد القربة حكمها دائر بين الندب والإباحة كما هو مقرر عند علماء الأصول [36] ، كما اتفق جمهورهم أن أفعاله صلى الله عليه وسلم الجبلية والعادية، والصادرة بمقتضى الطبيعة؛ مما لا يتعلق بالعبادات كالقيام والقعود ... وغيرها؛ دال على الإباحة [37] .

قال ابن تيمية: «فكُلُّ ما قاله بعد النبوة وأُقِرَّ عليه ولم ينسخ؛ فهو تشريع. لكن التشريع يتضمن الإيجاب والتحريم والإباحة» [38] .

إذا تقرر كل هذا فإن الرأي القائل بأن ما صدر عنه صلى الله عليه وسلم مما هو خاص بأمور الدنيا وخبراتها؛ كالزراعة والصناعة والطب واللباس والنوم والأكل والشرب ... وغيرها، القول بأن هذا كله لا يفيد شرعًا، ولا يدل على حكم؛ قول

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت