الصفحة 6 من 25

فخطاب الشرع إما أن يدل على طلب الفعل طلبا جازما فيسمى الواجبَ، أو طلبًا غير جازم فيسمى المندوب، وإما أن يدل على طلب ترك الفعل طلبا جازما فيسمى الحرام، أو طلبا غير جازم فيسمى المكروه، وإما أن يكون خطاب الشرع دالا على التخيير؛ أي أن يخير المكلف بين الفعل والترك؛ فيسمى المباح.

فعلى ضوء هذا «لا يختص الشرع أو التشريع بجانب الإلزام فحسب؛ بل يعمه وغيرَه من الأحكام التكليفية والوضعية. فَمِنَ الخِطابِ أو الحكمِ - سواءٌ كان قرآنًا أو سنةً - ما هو ملزمٌ، ومنه

ما هو غير ملزمٍ، وذلك لأن كلا من ذلك حكم؛ والحكم لا يكون إلا لله تعالى وحده» [30] .

إذًا فالمباح أيضًا حكمٌ شرعيٌ؛ لأن الشريعة جاءت رافعة للحظر في فعلهِ، وجماهير الأصوليين مجمعون على اعتبار الإباحة حكمًا شرعيًا «اللهم إلا فريقا من المعتزلة ذهب إلى عدم شرعيتها فهمًا منه أن الإباحة: انتفاء الحرج عن الفعل والترك، وذلك ثابت قبل ورود الشرع وهو مستمر بعده، فلا يكون حكما شرعيا. والجمهورُ لا يُنْكِرُون أنَّ هذا المعنى ثابتٌ قبلَ ورودِ الشرعِ، وأنه لا يسمى حكما شرعيا، ولكنهم يقولون: ليس هذا هو معنى الإباحة الشرعية؛ وإنما هي خطاب الشارع بالتخيير بين الفعل والترك من غير بدل، ولا شك أن هذا حكم شرعي، وأنه غير ثابت قبل ورود الشرع ... فالإباحة حكم شرعي يحتاج إلى دليل» [31] .

قال الآمدي في تعريف المباح: «هو ما دل الدليل السمعي على خطاب الشارع بالتخيير فيه بين الفعل والترك من غير بدل» ، ثم قال: «اتفق المسلمون على أن الإباحة من الأحكام الشرعية، خلافا لبعض المعتزلة» [32] .

وَبيَّن الإمام الفخر الرازي دخول الإباحة في الحكم الشرعي بطرق ثلاثة حيث قال: « ... وذلك أن الإباحة تثبت بطرق ثلاثة:

أحدها: أن يقول الشرع: إن شئتم فافعلوا، وإن شئتم فاتركوا.

والثاني: أن تدل أخبار الشرع على أنه لا حرج في الفعل والترك.

والثالث: أن لا يتكلم الشرع فيه - ألبتة - ولكن انعقد الإجماع - مع ذلك - على أنَّ ما لم يَرِدْ فيه طلبُ فعلٍ، ولا طلبُ تركٍ؛ فالمكلف فيه مخير ... وفي جميعها خطاب الشرع دل عليها؛ فكانت الإباحة من الشرع بهذا التأويل والله أعلم» [33] .

ومن صور دخول المباح تحت اسم الحكم الشرعي التكليفي، أن إباحة الشيء قد تكون مخالفة لهوى المكلَّف وغرَضِهِ، إذ قد يكون هواه في أن لو حُرِّم؛ حتى أنه لو وُكِّلَ إليه تشريعه لحرَّمه وحظره، وهو ما فصَّلَهُ الإمام الشاطبي بكلام بديعٍ، أسوقه لما فيه من الإفادة لمسألتنا هذه.

قال: «المقصد الشرعي من وضع الشريعة إخراج المكلَّف عن داعية هواه؛ حتى يكون عبدا لله اختيارا، كما هو عبد لله اضطرارا ... وإذا كان كذلك؛ لم يَصِحَّ لأحد أن يدَّعِيَ على الشريعة أنها وُضِعت على مقتضى تشهِّي العباد و أغراضِهِم؛ إذ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت