يقول محمد النويهي: «إن كل ما في القرآن والسنة - دعك من مذاهب الفقهاء من تشريعات لا تتناول العقيدة وما يتعلق بها من شعائر العبادة، بل تتناول أمور الدنياومعاملاتها، وتنظيمها وعلاقاتها-؛ كلُّ هذه التشريعات جميعًا بلا استثناء واحدٍ، ليست الآن ملزمة لنا في كل الأحوال» [26] .
وإن ذهبنا نتتبع كلام هؤلاء، وتقريرهم لهذا الأصل؛ لما وسع ذلك صفحات هذا البحث، فنكتفي بهذه النقول للتمثيل لا أكثر، ولبيان مدى انتشار القول بتقسيم السنة إلى تشريعية وغير تشريعية في تلك الأوساط.
وستكون مناقشة هذا المسلك في تضييق الاحتجاج بالسنة النبوية عبر محاور هي كالآتي:
2.ضبط معنى التشريع وبيان اللبس الواقع فيه:
بالنظر في النصوص المنقولة عن أصحاب هذا المسلك يتضح أنهم أخرجوا ما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم مما يتعلق بأمور معايش الناس وزراعتهم وصنائعهم وشؤونهم الحياتية كالنوم واللباس، والمشي ... وما يتوصلون إليه بتجاربهم الخاصة من السنة التشريعية التي يشرع فيها الاتباع والاقتداء بسبب حصرهم معنى التشريع فيما يفيد الإلزام، أي: إلزام المسلم باتباع النبي صلى الله عليه وسلم في تلك الشؤون، لذلك جاء في نصوصهم - آنفة الذكر- عبارات تدل على هذا الفهم، مثل قولهم عن السنة غير التشريعية أنها (رأي محض، غير ملزمة، ليست من الدين، غير واجبة الاتباع، ليست شرعا، ... ) إلى غير ذلك من العبارات المبثوثة في النصوص التي نقلتها خلال عرضي لتأصيل أصحاب هذا المسلك لهذا الرأي، وبالتالي يمكن استنتاج أن مصطلح التشريع عندهم هو ما يتضمن معنى الطلب؛ أعني طلب الفعل وطلب الكف، وسواء كان هذا الطلب إلزاميًا وهو الواجبُ والحرامُ، أو غير إلزامي، وهو المندوب والمكروه، وكل ما سوى هذا فليس بتشريع.
هذا المعنى عَبَّرَ عنه السيد رشيد رضا - مثلا - بقوله: «وكل ما رُتِّبَ على فعلِهِ ثوابٌ أو عقابٌ فهو ما يتعلق به التشريع» [27] .
وأظْهَرُ منْهُ على هذا المرادِ قولُه - رحمه الله: «ليس من التشريع - الذي يجب فيه امتثال الأمر واجتناب النهي- ما لا يتعلق به حقٌ لله تعالى ولا لِخلقه، لا لجلب مصلحة ولا دفع مفسدة؛ كالعادات والصناعات، والزراعة والفنون المبنية على التجارب والبحث، وَمَا يَرِدُ فيهَا من أمر ونَهْيٍ يسميه العلماء إرشادًا لا تشريعًا» [28] .
فقوله: «ليس من التشريع الذي يجب فيه امتثال الأمر واجتناب النهي» واضحٌ في أن المقصود بالتشريع عنده محصُورٌ فيما يحمل معنى الامتثال؛ بفعل المأمور وترك المنهي.
إذا عُلمَ هذا، فليعلم أيضا أن التشريع في مفهومه الشرعي أشمل من هذا المعنى الضيق الذي تَخَيَّرَه رشيد رضا وغيره لهذه المصطلح، إذ التشريع في معناه عند العلماء هو «الحكم الشرعي لكل فعل من أفعال المكلفين سواءٌ كان الحكم هو الوجوب أم الحرمة أم الندب أم الكراهة أم الإباحة» [29] .