ولأن هذا التقسيم غير منضبط؛ والحد فيه غير دقيق عند أصحابه [43] ... فقد اتسعت دائرة السنة غير التشريعية عند بعض القائلين بهذا التقسيم؛ حتى أدخلوا فيها كل السنن الواردة في ضبط أحكام المعاملات كالبيع والشراء والسلف والرهن ... وغيرها.
ولا شك أن هذا يفتح بَاب شرٍّ عظيم على مصدر من مصادر التشريع الأصلية التي تُستقى منها الأحكام؛ ألا وهي السنة الشريفة، ويبيح لكل أحدٍ أن يأتي فيلغي من السنة ما لا يتوافق مع هواه، بحجة أن ما ألغاه وردَّهُ ليس من السنة التشريعية؛ وبالتالي فهو غير ملزم بها، ولا سبيل لأنصار التقسيم من أجلة العلماء - كرشيد رضا ومحمود شلتوت وغيرهما - أن يحاجوا مثل هذا ومن يقول بقوله، مادام أن الضابط في التقسيم والتفريق بين ما هو تشريع وما هو إرشاد؛ غير دقيق، «فمن الذي يحدد أن هذا الشيء من السنة التشريعية وأن ذلك من غير التشريعية؟ إن ما تراه أنت داخلا في السنة التشريعية؛ يراه غيرك خارجا عنها، فالبعض يرى حسب هواه أن السياسة والاقتصاد ومسائل الزواج ليست من باب السنة التشريعية، والبعض يراها منها، وهناك من يقول أن السنة التشريعية هي كل ما عَلَّمَنَاه إيَّاه الرسول صلى الله عليه وسلم؛ حتى آداب الخِراءة وقضاءِ الحاجة، بينما يحصر آخرون السنة التشريعية في العبادات وبعض قضايا الأحوال الشخصية، والبعض يرى أن السنة التشريعية قاصرة على العبادات كما يقوله العلمانيون [44] ؛ فما هو الضابط الذي يضبط لنا المسألة، ويوضح الحد الفاصل بين ما هو تشريعي، وما هو غير تشريعي؛ إن صح هذا التقسيم» [45] .
قال العلامة عبد الرحمن المعلمي في معرض مناقشته زعم أبي رية عدم حجية كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم في الأمور الدنيوية: «ليس في هذا الكلام ما يصح أن يكون قاعدة ثابتة؛ فأمور الدنيا خاضعة لأحكام الشرع، وقد أمر الله بطاعة رسوله، وحذر من المخالفة عن أمره، فَأَمْرُهُ صلى الله عليه وسلم بشيء دليل على وجوبه؛ إلا أن يقوم دليل يصرف الأمر عن الوجوب إلى غيره، وتفصيل ذلك في كتب الفقه» [46] .
بل إن الشيخ رشيد رضا نفسه اعترف بأن الضوابط التي نص عليها بعض من قال بهذا التفريق ليست دقيقة، ولا تسلم جلّها من القيل والقال، قال - رحمه الله: « ... ولكنني لم أر لأحدٍ ضابطا عاما لا يمكن فيه القيل والقال» [47] .
4.هذا التفريق يفتح المجال لِرَدِّ جزءٍ كبيرٍ من السنة: لقد استشعر العلماء الأثر الخطير الناجم عن إخراج جزءٍ من السنة النبوية من دلالتها التشريعية، خصوصا أن المسائل التي قيل أن التشريع لا يتعلق بها؛ كأحكام النوم واللباس والأكل والشرب، نجد أن السنة النبوية جاءت مبينة ضوابطها وآدابها، بل ومحظوراتها وما يجب اجتنابه منها أو فيها.
يقول فضيلة الشيخ موسى شاهين لاشين: «غفر الله للقائلين بأن السنة تشريع وغير تشريع، وللقائلين بالمصلحة [48] ، غفر الله لهم وسامحهم، لقد فتح هؤلاء وهؤلاء بابا لم يخطر لهم على بال» . ثم قال: «بعضهم أدخل في السنة غير التشريعية الأكل والشرب والنوم واللبس، وهذا القول في حاجة إلى تحقيق. الأكل والشرب مثلًا - كلام عام يشمل المأكول والمشروب، والأواني، والهيئة أو الكيفية؛ فأخذ الكلام على عمومه مرفوض. هل بيان المأكول والمشروب المحرم والمكروه والمباح من السنة التشريعية؟! هل حديث: (أحل لنا ميتتان ودمان: السمك والجراد والدم والطحال) [49] . وحديث: (أَكْلِ الضبِّ على مائدة رسول الله صلى الله عليه وسلم) [50] سنة غير تشريعية؟ اللهم لا. أَحَلَّ لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الطيبات، وحَرَّمَ علينا الخبائث، فالمأكول والمشروب سنة تشريعية من حيث