الصفحة 11 من 25

الحل والحرمة، أما أنه أكل نوعا من الحلال، وترك غيره يأكل نوعا آخر؛ فالتشريع فيها الإباحة، إباحة ما أكل وما لم يأكل مما لم ينه عنه.

وأما الأواني، فقد (نهى صلى الله عليه وسلم عن الأكل والشرب في صحاف الذهب والفضة) [51] ، و (نهى عن الأكل في أواني الكفار إلا بعد غسلها) [52] ؛ وهذا تشريع قطعا.

وأما الهيئات، فهناك هيئات مأمور بها، وهيئات منهي عنها، وهيئات أخرى كثيرة مباحة؛ والكل تشريع. (يا غلام سم الله وكل بيمينك وكل مما يليك) [53] هيئة أكل مشروعة، و (نهيُ رسول الله صلى الله عليه وسلم عن اختناث [54] الأسقية) [55] ، أي: الشربُ من أفواهِهَا هيئةٌ ممنوعةٌ شرعًا. أَمَّا أنه صلى الله عليه وسلم أكل بأصابعه ويده، ونحن نأكل بالملاعق والشوك والسكاكين؛ فهو من المباحات المشروعة. فماذا في الأكل والشرب من السنة غير التشريعية؟!» [56] .

فكيف لنا أن نغض الطرف عن كل هذه التشريعات السامية التي تسمو بالمسلم إلى أعلى مراتب الإنسانية، وتميِّزُهُ عن باقي مخلوقات الله من الدواب والأنعام؟! ثم نقرر أنها لا تفيد شرعا أو علمًا أو حُكمًا، «وهل بعد استعراض هذه التشريعات السامية الراقية نستسيغ نفي التشريع عنها؟

ونقول: إنها من الشؤون البشرية التي ليس مسلك الرسول فيها تشريعا، ولا مصدر تشريع» [57] .

فنفي التشريع عن الجزء المتعلق بالأمور الدنيوية له عواقبه على الشريعة لأَنَّ «الأمور الدنيوية تشمل: البيوع، والنكاح، والصداق، والطلاق، والخلع، والرجعة، والإيلاء [58] ، والظهار، واللعان، والعِدَدَ، والرضاع، والنفقات، والحضانة، والجنايات، والديات، والحدود، والأطعمة، واللباس، والصيد، والأيمان وكفاراتها، والقضاء، والشهادات، والعارية [59] ، والغصب [60] ، والشفعة [61] ، والودائع، وإحياء الموات [62] ، والجعالة، واللقطة، والوقف [63] ، والهبة، والعطية، والزراعة ... إلى آخر القضايا الدنيوية التي أبعدت عنها سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فلا يقبل فيها أمر ولا نهي.

أليس هذا هدما لدواوين السنة التي تضمنت ألوف الأحاديث في سائر شؤون الحياة؟ بل، أليس هذا هدما لكتب الفقه التي ألفها الأئمة من مختلف المذاهب؛ والتي لا قيام ولا قيمة لها إلا بسنة محمد صلى الله عليه وسلم؟» [64] .

بل مقتضى هذا الطرح يتصادم مع شمولية التشريع الإسلامي؛ واستغراقِه لكل شؤون الحياة الإنسانية؛ وهذا عين ما يبتغيه العلمانيون والحداثيون ومن دار في فلكهم؛ لأنهم لما أدركوا مكانة السنة في نفوس الناس، علموا أن مطالبة الجماهير بردها كلها وعدم التحاكم إلى شيء منها، لن يلقى آذانا صاغية أو قلوبا واعية؛ بل قد يخسرون بهذه الدعوة رصيد التعاطف الضئيل الذي كسبوه عبر مراحل طويلة من العمل والجهد؛ فروجوا لفكرة أن الواجب اتباعه من الشريعة ككل، والسنة بشكل خاص؛ هو ما يحكم العلاقة بين المسلم وربه في المسجد والمصلى فقط، أو بتعبير أدق، ما تعلق منها بجانب العبادة والنسك؛ كالصلاة والذكر والدعاء لاغير. وكم كانت سعادتهم وافرة؛ لما عثروا على كلام لبعض أجلة العلماء؛ يدعم نظريتهم هذه، ويقرر أن بعض السنة غير واجب الاتباع؛ كونه لا يفيد شرعا، ولا يدل على حكم، ومثلوا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت