الصفحة 12 من 25

لذلك: بما صدر عنه صلى الله عليه وسلم مما يدور على أحكام الدنيا المحضة كالزراعة والصنائع، وعاداته صلى الله عليه وسلم كالنوم واللبس والشرب والقيام والمشي ... وغيرها.

هذا هو الطرح العلماني الحداثي التجديدي؛ الذي يصور رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل"بابا" [65] النصارى؛ لا سلطة ولا حكم له في معايش الناس ومصالحهم، وطرائق صيانتها وحفظها وتنظيمها.

يقول الدكتور مصطفى الأعظمي: «الرسول صلى الله عليه وسلم ليس مجرد واعظ يلقي كلمته لتذهب في الهواء؛ ذلك أن الدين منهج حياة واقعية، بأشكالها، وتنظيمها، وأوضاعها، وأخلاقها، وآدابها، وعباداتها وشعائرها، وليس تحكيم الرسول تحكيما شخصيا؛ إنما هو تحكيم شريعته ومنهجه، وإلا لم يبق لشريعة الله وسنة رسوله مكان، بعد وفاته صلى الله عليه وسلم. وقد قاتل أبو بكر _ على أقل من ذلك؛ وهو مجرد عدم إطاعة الله ورسوله في حكم الزكاة» [66] .

ويشهد لهذا المعنى - أي شمول شريعته صلى الله عليه وسلم لكل مناحي الحياة -؛ ما أخرجه مسلم [67] وغيره عن سلمان الفارسي _: «أن أناسا من المشركين قالوا له - وفي رواية عند أحمد [68] وابن ماجة [69] وغيرهما أنهم قالوها مستهزئين: إنا نرى صاحبكم [يعنون النبي صلى الله عليه وسلم] يعلمكم كل شيء، حتى الخراءة. قال سلمان: أجل، لقد نهانا أن نستقبل القبلة لغائط أو بول، أو أن نستنجي باليمين، أو أن نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار، أو نستنجي برجيع [70] أو عظم» .

فانظر إلى قول المشركين المستهزئين: «يعلمكم كل شيء» ، ولفظة (كل) تفيد العموم، بل هي من أدل الألفاظ على العموم، فكأن المشركين؛ لاحظوا أن الصحابة كانوا يأخذون بكلام رسول الله في كل مجالات الحياة - دون تفريق بين ما كان منها في دين أو دنيا -؛ ولذلك جاء سؤالهم بدافع الاستهزاء والسخرية، فماذا كان جواب سلمان؟! كان جوابه بالإيجاب: «أجل» . لم يقل سلمان _: إنما علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أمور ديننا فقط، أما أمور دنيانا، وما يتعلق بمعايشنا؛ فلم يعلمنا شيئا منها. وهكذا كان صنيع كل أصحابه رضي الله عنهم؛ كانوا ينظرون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على أنه الهادي والمشرع والمعلم، دون تفريق بين ما صدر منه صلى الله عليه وسلم مما له علاقة بأمور الدنيا أو بأمور الدين، حتى أنهم كانوا لا يلحظون تمييزا بين الجانبين.

ولذلك قال أبو ذر الغفاري _: «تركنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما طائر يطير بجناحيه إلا عندنا منه علم» [71] . والمقصود بالعلم في قول أبي ذرٍّ الأحكام الشرعية المتعلقة بكل هذه الأمور بما فيها الإباحة، ويدل على هذا المعنى قول ابن حبان عقب هذا الأثر: «معنى (عندنا منه) يعني بأوامره ونواهيه، وأخباره وأفعاله، وإباحاته صلى الله عليه وسلم» [72] .

نستنتج من هذه المناقشة المستفيضة أن هذا التقسيم - بهذا الاعتبار - محدثٌ لا أصل له من كلام أهل العلم، ولا عاضد من الحجج والبراهين، فسنته صلى الله عليه وسلم المتضمنة لأقواله وأفعاله، وتقريراته، وحركاته وسكناته، وصفاته وخلاله، ... وغيرها كلُّها - بلا اسثناء - تشريعٌ لأمته، أقول: تشريع بمعنى إفادتها حكما شرعيًا تكليفيًا بما فيه الإباحة والتخيير.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت