5.مناقشة الروايات التي استدل بها أصحاب هذا الاتجاه على هذا التقسيم:
في سياق ذكرنا للنصوص التي أصَّل فيها أصحاب هذا المسلك تقسيم السنة إلى تشريعية وغير تشريعية وإدراج ما تعلق بالمعارف الدنيوية وخبرات البيئة ضمن الجزء الثاني؛ تبين أنهم اعتمدوا على بعض الروايات والنصوص النبوية في دعم نظريتهم تلك، ولعل أبرز ما أوردوه في هذا السياق وجعلوه حجة قاطعة في ذاك التقسيم والتفريق؛ قصة النبي صلى الله عليه وسلم مع الحباب بن المنذر رضي الله عنه يوم بدر، وحديث تأبير النخل.
وسَنُنَاقِشُ هُنَا هذين النصين من جهة الثبوت والدلالة.
أولا: الرواية الأولى: هو حديث الحباب بن المنذر_ أنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم يوم بدر: «أرأيت هذاالمنزل؟ أمنزلًا أنزلكه الله، ليس لنا أن نتقدمه ولا نتأخر عنه، أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟ قال: بل هو الرأي والحرب والمكيدة. قال: يا رسول الله، فإن هذا ليس بمنزل، امض بالناس حتى تأتي أدنى ماء من القوم فتعسكر فيه ... » إلى تمام القصة.
استدلَّ أصحاب مسلك تقسيم السنة بهذه القصة على إخراج ما تعلق بأمور الدنيا - مما يتوصل إليه الناس بتجاربهم - من سنته صلى الله عليه وسلم التشريعية.
والقصة رواها ابن هشام في (السيرة) [73] ، قال: «قال ابن إسحاق: فحدثّت عن رجال من بني سلمة، أنهم ذكروا: أن الحباب بن المنذر بن الجموح قال: يا رسول الله ... » .
وهذا سند فيه ثلاث علل:
-جهالة الواسطة بين ابن إسحاق والرجال من بني سلمة.
-جهالة رجال بني سلمة.
-عدم تحقق شهود الرجال من بني سلمة القصة؛ لجهالة أعيانهم.
ولذلك قال الشيخ الألباني - رحمه الله: «وهذا إسناد مرسل مجهول فهو ضعيف، وقد وصله بعضهم وفيه من لا يعرف» [74] .
وقد وصله الحاكم في (المستدرك) [75] لكن في سنده من لا يُعْرَف، كما أن فيه أبا حفص الأعشى واسمه عمرو بن خالد، ويكنى أيضا بأبي يوسف:
-قال ابن عدي: «منكر الحديث» [76] .
-وقال ابن حبان: «يروي عن الثقات الموضوعات، لا تحل الرواية عنه إلا على سبيل الاعتبار» [77] .