-قال الدراقطني: «وعمرو بن خالد أبو حفص الأعشى متروك» [78] .
-وقال الذهبي: «كوفي ضعيف» [79] .
-وقال الحافظ ابن حجر: «منكر الحديث» [80] .
فالقصة لا تثبت، وقد حكم عليها الحافظ الذهبي بالنكارة: فقال في (تلخيص المستدرك) : «حديثٌ منكرٌ وسنده» [81] .
فلا حجة في الاستشهاد بهذه القصة؛ لأن الاستدلال فرع عن الثبوت، والقصة لا تثبت.
وحتى لو فرضنا ثبوت القصة؛ فإنه لا حجة لمن جعلها دليلا على إخراج الأمور الدنيوية العسكرية وما تعلق بتعبئة الجيوش من السنة التشريعية؛ وذلك لسببين:
الأول: جاء في بعض روايات القصة أن النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي طلب المشورة من أصحابه يوم بدر فقال: «أشيروا عليَّ في المنزل» [82] ، فهي تدل على مشروعية الاستشارة، «بل على ضرورة أن يقتدي القائد بالرسول في هذا؛ بحيث يستشير من معه، ولا سيما إذا لم يكن مطلعا على أحوال المنطقة» [83] .
الثاني: هذه القصة - على فرض صحتها - لا تدل على إبعاد الجوانب العسكرية من التشريع؛ بل على العكس تماما؛ فهي تدل أن أمير الجند إذا نزل في مكان فلا ينبغي له أن يتشبث برأيه، بل لا بد أن يستشير جنده، ثم إذا رأى المصلحة مع رأيهم يأخذ بها.
فالواقعة - إن صحت - تعبير عملي لما يجب على الخليفة والقائد، من اتباع الأصلح، والأخذ بما يشار عليه، فكلُّ ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم في حروبه وغزواته سنة وتشريع واقتداء وقدوة صالحة لنا [84] .
فليس في هذه القصة - على فرض صحتها وثبوتها - أي دليل أو مستمسك على إخراج ما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم باعتباره رئيسا للجيش أو قائدا للمعركة أو غير ذلك، والله أعلم.
ثانيا: الرواية الثانية: حديث تأبير النخل: «إن هذا الحديث من زمن طويل كان المشجب الذي يعلق عليه من شاء ما شاء من أمور الشرع التي يراد التحلل منها، فبعضهم أدخل تحته الأكل والشرب والنوم والفراش واللباس والمشي والجلوس، وغير ذلك من الأمور الخاصة بالحاجة البشرية، والطبيعة البشرية، والتحقيق أنه من الخطإ أن نطلق هذا الإطلاق، فكل من هذه الأمور منها الواجب شرعا، ومنها المكروه، ومنها المندوب، ومنها المباح» [85] .
وهذا الحديث هو عمدة كل الباحثين الذين قسموا السنة إلى تشريعية وغير تشريعية، بل جعلوا ظاهر هذا الحديث ضابطا قطعيا في التفريق بين ما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم تشريعا، وما قاله إرشادا.