الصفحة 15 من 25

1 -نصُّ الحديث: عن طلحة بن عبيد الله _ قال: «مررت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوم على رؤوس النخل، فقال: ما يصنع هؤلاء؟ فقالوا: يلقحونه: يجعلون الذكر في الأنثى فيلقح. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما أظن يغني ذلك. قال: فَأُخبروا بذلك فتركوه، فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك فقال: إن كان ينفعهم ذلك فليصنعوه، فإني إنما ظننت ظنا، فلا تؤاخذوني بالظن، ولكن إذا حدثتكم عن الله شيئا فخذوا به، فإني لن أكذب على الله عز وجل» [86] .

2 -مناقشة دلالته: يظهر من نصِّ هذا الحديث الشريف الذي استدلَّ أصحاب اتجاه تقسيم السنة إلى تشريعية وغير تشريعية على أن النبي صلى الله عليه وسلم لم ينْهَ أصحابَهُ عن التلقيح، ولكنه صلى الله عليه وسلم ظَنَّ ظنًا فقط، وَظَنُّ الرسول صلى الله عليه وسلم كَظَنِّ غيرِهِ من البشر قد يخطئ، وقد يصيب، لكن الصحابة فهموا أن ظنه صلى الله عليه وسلم نهيٌ؛ لذلك أمسكوا عن التلقيح.

ويؤكد هذا المعنى ما جاء في رواية أحمد وابن ماجه أنه صلى الله عليه وسلم قال: «إنما هو الظن، إن كان يغني شيئا فاصنعوه، فإنما أنا بشر مثلكم، وإن الظن يخطئ ويصيب» [87] .

فلا دليل في القصة إطلاقا على نفي التشريع عن بعض سنته صلى الله عليه وسلم لسبب بسيط وهو: أن القصة «اشتملت على مجرد الظن؛ أي ظنه صلى الله عليه وسلم؛ فهو لم يأمر ولم ينه، ولم يقرر حقيقة، والنزاع إنما هو

في الأوامر والنواهي، والأمور التي أقر عليها النبي صلى الله عليه وسلم وقررها قبل أن يفارق الدنيا» [88] .

فنفيُ رسول صلى الله عليه وسلم جدوى التلقيح، ليس من باب الإخبار الذي يجب على كل مسلم الخضوع له والعمل به، ولكنه من باب الظن الذي يماثل فيه الرسول صلى الله عليه وسلم باقي البشر.

قال الإمام أبو جعفر الطحاوي عقب هذا الحديث: «فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث أن ما قاله من جهة الظن؛ فهو فيه كسائر الناس في ظنونهم» [89] .

وقال النووي: «ولم يكن هذا القول خبرا، وإنما كان ظنا كما بينه في هذه الروايات» [90] .

وقال ابن تيمية: «وهو لم ينههم عن التلقيح، لكن هم غلطوا في ظنهم أنه نهاهم، كما غلط من غلط في ظنه أن {الخَيْطَ الأَبْيَضَ} و {الخَيْطَ الأَسْوَدَ} [البقرة: 187] هو الحبل الأبيض والأسود» [91] .

وقال الشيخ أحمد شاكر: «والحديث واضح صريح، لا يعارض نصا، ولا يدل على عدم الاحتجاج بالسنة في كل شأن، لأن رسول الله لا ينطق عن الهوى، فكل ما جاء عنه فهو شرع وتشريع، {وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا} [النور: 54] ، وإنما كان في قصة تلقيح النخل أن قال لهم: ما أظن ذلك يغني شيئا، فهو لم يأمر ولم ينه، ولم يخبر عن الله، ولم يسن في ذلك

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت