الصفحة 16 من 25

سنة؛ حتى يتوسع في هذا المعنى إلى ما يهدم به أصل التشريع، بل ظن، ثم اعتذر عن ظنه، قال: فلا تؤاخذوني بالظن، فأين هذا مما يرمي إليه أولئك؟ هدانا الله وإياهم سواء السبيل» [92] .

وبالتالي فلا مستمسك لمن جعل هذا الحديث حجة في التقسيم سابق الذكر، لأنه خارج عن محل النزاع كوننا جميعا متفقون أن ظن الرسول صلى الله عليه وسلم قد يخطئ وقد يصيب، وخطأ الظن ليس كذبا [93] .

-وهناك مسألة أخرى متعلقة بهذا الحديث، وهي أن من احتج بهذه القصة، لم يذكروا رواية طلحة التي ذكرتها آنفا - وفيها التصريح بالظن - والتي قدمها الإمام مسلم في صحيحه على الروايات الثلاث الأخرى، ولكنهم اقتصروا في الاستشهاد على رواية عكرمة بن عمار، عن أبي النجاشي مولي رافع بن خديج واسمه عطاء بن صهيب، عن رافع بن خديج، ولفظها: «قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة، وهم يأبرون النخل، يقولون: يلقحون النخل، فقال: ما تصنعون؟ قالوا: كنا نصنعه. قال: لعلكم لو لم تفعلوا كان خيرا. فتركوه، فنفضت أو فنقصت، قال: فذكروا ذلك له، فقال: إنما أنا بشر إذا أمرتكم بشيء من دينكم فخذوا به، وإذا أمرتكم بشيء من رأيي؛ فإنما أنا بشر. قال عكرمة: أو نحو هذا» [94] .

ومحل استشهاد رشيد في هذا الحديث؛ قوله صلى الله عليه وسلم: «إنما أنا بشر إذا أمرتكم بشيء من دينكم فخذوا به، وإذا أمرتكم بشيء من رأيي؛ فإنما أنا بشر» . وهذه العبارة غير موجودة في رواية طلحة التي قدمها مسلم على هذه، وعلى الرواية التي تأتي بعد هذه، كما أن لفظة"الظن"الموجودة في رواية طلحة الأولى غير موجودة في الروايتين المتأخرتين - أي رواية رافع ورواية أنس التي ستأتي الإشارة إليهما -.

ومما لا شك فيه أن القصة جرت مرة واحدة، إذ محال أن يتكرر خطأ ظنه صلى الله عليه وسلم أكثر من مرة، وفي نفس القضية، وهذا يقودنا إلى نتيجة مفادها أن رواية رافع جاءت بالمعنى، ويدل على ذلك قول عكرمة بن عمار بعد روايته للحديث: «أو نحو هذا» ، أي أن عكرمة لم يرو الحديث بلفظه.

وممن أشار إلى ذلك الإمام النووي، حيث قال: «قال عكرمة: أو نحو هذا، فلم يخبر بلفظ النبي صلى الله عليه وسلم محققا» [95] .

ولهذا فلفظُ رواية طلحة بن عبيد الله _ مُقَدَّمٌ على لفظ حديث رافع _، ولسبب آخر وهو أنه ليس في لفظ رافع تصريح في أنه _ حضر القصة، فيُحتمل أنه أُخبر بها، في حين نجد طلحة

يقول: «مررت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوم ... » الحديث.

وللعلامة عبد الرحمن المعلمي رأيٌ في هذا المسألة، قبل أن نذكره لا بأس أن نُذَكِّرَ بالراوية الثالثة في ترتيب (صحيح مسلم) ، وهي رواية حماد بن سلمة، عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة، وعن ثابت عن أنس «أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بقوم يلقحون النخل، فقال: لو لم تفعلوا لصلح. قال: فخرج شيصا فمر بهم، فقال: ما لنخلكم. قالوا: قلت كذا وكذا. قال: أنتم أعلم بأمر دنياكم» [96] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت