وعلى هذه العبارة «أنتم أعلم بأمر دنياكم» مدار حجج جميع القائلين بأن لا تشريع فيما يتعلق بأمور الدنيا مما صدر عنه صلى الله عليه وسلم.
قال عبد الرحمن المعلمي بعد أن ساق الروايات الثلاث بنفس ترتيب مسلم: «عادة مسلم أن يرتب روايات الحديث بحسب قوتها: يقدم الأصح فالأصح. قوله صلى الله عليه وسلم في حديث طلحة: (ما أظن يغني ذلك شيئا) إخبار عن ظنه، وكذلك كان ظنه، فالخبر صدق قطعًا، وخطأ الظن ليس كذبًا، وفي معناه قوله في حديث رافع: (لعلكم .. .) ، وذلك كما أشار إليه مسلم أصح مما في رواية حماد، لأن حمادًا كان يخطئ، وقوله في حديث طلحة: (فإني لن أكذب على الله) فيه دليل على امتناع أن يكذب على الله خطأ، لأن السياق في احتمال الخطأ، وامتناعه عمدًا معلوم من باب أولى، بل كان معلومًا عندهم قطعًا» [97] .
فالمعلمي ذهب إلى أن رواية رافع أصح من رواية حماد - المتضمنة عبارة: «أنتم أعلم بأمور دنياكم» - بناء على أمرين:
الأول: صنيع مسلم في ترتيبه صحيحَه؛ حيث يقدم الرواية الأصح، وهو هنا قدم رواية رافع - وقبلها رواية طلحة - على رواية حماد بن سلمة.
الثاني: ضعف حفظ حماد بن سلمة، وأنه كان يخطئ [98] .
قلت: ولكن حماد بن سلمة روى هذا الحديث عن ثابت بن أسلم البناني [99] ، وهو أثبت من أخذ عنه بإجماع الحفاظ.
-قال يحي بن معين: «من خالف حماد بن سلمة في ثابت؛ فالقول قول حماد. قيل له: فسليمان بن مغيرة عن ثابت؟ قال سليمان ثبت، وحماد أعلم الناس بثابت» [100] .
-وقال الإمام أحمد: «حماد بن سلمة أثبت الناس في ثابت البناني» [101] .
-وقال علي بن المديني: «لم يكن في أصحاب ثابت أثبت من حماد بن سلمة» [102] .
-وقال عبد الرحمن بن مهدي: «حماد بن سلمة أروى الناس عن ثلاثة: ثابت، وحميد [يعني الطويل] ، وهشام بن عروة» [103] .
-وقال الدارقطني: «حماد بن سلمة أثبت الناس في حديث ثابت» [104] .
والإمام مسلم لم يخرج لحماد بن سلمة في الأصول إلا ما سمعه من ثابت قبل الاختلاط، أما غير ذلك ففي الشواهد، وقد نقل ابن حجر عن البيهقي قوله: «هو أحد أئمة المسلمين إلا أنه لما كبر ساء حفظه [105] ؛ فلذا تركه البخاري، وأما مسلم فاجتهد وأخرج من حديثه عن ثابت ما سمع منه قبل تغيره، وما سوى حديثه عن ثابت لا يبلغ اثني عشر حديثا أخرجها في الشواهد» [106] .