ومهما يكن من أمر توجيه العلامة المعلمي لحديث تأبير النخل؛ فإن ما سبق بيانه من نصوص شراح الحديث لا يوافق ما ذهب إليه رشيد رضا من نفي التشريع عما صدر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأمور المتعلقة بالدنيا، والله أعلم.
الخلاصة:
بعد دراسة مسلك تقسيم السنة إلى"تشريعية"و"غير تشريعية"، وتحليله ومناقشته؛ يتبين بجلاء أن هذا التقسيم غير صحيح - بذلك الاعتبار المذكور -، وهو محدثٌ تردُّه الأصول العلمية، وتقريره له آثاره الوخيمة على مصدر التشريع الثاني، بل على الشريعة بأكملها؛ لأن من لوازمه ردُّ كثير من الآداب والأحكام الشرعية المستنبطة والمستقاة من الأحاديث النبوية المندرجة تحت ما اعتبره أصحاب هذا المسلك غير تشريعيٍّ، وهذا ما حدث فعلا حيث تبنى كثيرٌ من الحداثِيِّينَ والعقلانيين ذلك الرأي، وأبدؤوا فيه وأعادوا، ووسعوا من الجزء غير التشريعي - بزعمهم - منها، وساعدهم على ذلك خفاء ضابط التفريق بين ما هو تشريعي، بل لا نكون مبالغين إن قلنا: إنه غير موجود بالمرة، لأن هذا التفريق غير قائم إلا في تصورات هؤلاء وأذهانهم.
والحديثان اللذان استدل بهما أصحاب هذا المسلك على نظريتهم في تقسيم السنة إلى"تشريعية"و"إرشادية"أحدهما ضعيف لا تقوم به الحجة، والآخر لا حجة فيه كما تقدم.
والعلم عند الله
[1] - ممن أشار إلى أسبقية الدهلوي في هذا المسلك، الدكتور محمد سعد الطبلاوي في مقاله: الدفاع عن السنة النبوية وطرق الاستدلال، مجلة البحوث الإسلامية، عدد 28، رجب-شوال 1410ه، ص308.
[2] - هو أحمد بن عبد الرحيم العمري شاه ولي الله الهندي الحنفي، فقيه حنفي محدث، ولد سنة 1114ه.1699م من علماء الهند الكبار، أحيا الله به وبأولاده وتلاميذه الحديث والسنة بالهند، وعلى كتبه وأسانيده المدار في تلك البلاد، توفي سنة 1179ه (وقيل 1176ه) من آثاره: (فتح الخبير بما لابد من حفظه في علم التفسير) ، (حجة الله البالغة) ، (تأويل الأحاديث) ... وغيرها. انظر: هدية العارفين، إسماعيل باشا البغدادي، 1/ 177، والأعلام، الزركلي، 1/ 149، ومعجم المؤلفين، كحالة، 1/ 168.
[3] - ينظر وصفٌ لهذا الكتاب وبيانٌ لفوائده وميزاته في كتاب: أبجد العلوم، للشيخ صديق حسن خان، ت: عبد الجبار زكار، 2/ 143.
[4] - حجة الله البالغة، شاه ولي الله الدهلوي، ت: سيد سابق، 1/ 224،223.
[5] - قال محقق الكتاب سيد سابق: الشعار هو علامة تعين بين الأفواج ليعرف بها الموافق من المخالف.
[6] - حجة الله البالغة، الدهلوي، 1/ 224.