وهذا القول إن دل على شيء، فإنما يدل على أن الحجة في ذلك الاتفاق على ذات الأمر، والاتفاق وإن وافق معنى الحديث أو متنه فلا يدل على قبول الحديث بحال، ولا تثبيته، وإنما الحجة في الاتفاق، وما قامت الحجة بمدلوله إلا بقيام الاتفاق عليه.
والقبول إنما هو تثبيت نسبته إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، وهذا ولا شك ليس من شروط الصحة في شيء، فإن أئمة الحديث لم يشترطوا ضمن شروط الصحة قبول الأمة واتفاقهم عليه، بل الأمة وقع بين علمائها الخلاف في تصحيح وتضعيف جملة كبيرة من الأحاديث.
ويؤيد ذلك ما نقله ابن القيم - رحمه الله - في الروح في حديث تلقين الميت، قال:
"سئل عنه الإمام أحمد - رحمه الله - فاستحسنه، واحتج عليه بالعمل".
قلت: والحديث المروي في الباب ضعيف، وإنما احتج عليه أحمد بعمل السلف، ولم ينقل عنه تصحيحه ألبتة.
وقد ذكر العراقي عن العز ابن عبد السلام: أن بعض المعتزلة يرون أن الأمة إذا عملت بحديث اقتضى ذلك القطع بصحته، قال:
"وهو مذهب رديء".
والمسألة فيها تفصيل قد ذكرته في غير هذا الموضع.
والشاهد: أن هذا المذهب ضعيف، ولا تقوم به حجة يتقوى بها الحديث.
ولو سلمنا للمؤلف بهذا المذهب، فإن الأمة لم ينقل عنها العمل بهذا الحديث، وإنما حكاه عن الإمام أحمد - رحمه الله تعالى -، والطبراني، والنووي، وقد خالفهم فيه من هو أعلم منهم وأقدم وهو ابن المبارك - رحمه الله-.
فقد أخرج أبو إسماعيل الهروي في"ذم الكلام" (3/110) :
أن ابن المبارك - رحمه الله - كان قد ضل في بعض أسفاره في طريق، وكان قد بلغه أن من اضطر إلى مفازة فنادى: عباد الله أعينوني، أُعين، قال: فجعلت أطلب الجزد، أنظر إسناده.
فلم يستجز أن يدعو بدعاء لا يرضى إسناده.
ثم احتج المؤلف على تثبيت هذا المذهب بأن ابن المبارك كان يصلي صلاة التسابيح، وأنه قد تداولها الصالحون بعضهم عن بعض.
قلت: وهذا تمويه عجيب، وقول مردود من وجوه: