وأخيرًا: فعلى فرض التسليم له بصحة الحديث الأخير، فهو دال على أن ذلك استعانة بالمخلوقين الأحياءن وقد دلت رواية ابن عباس على أنهم من الملائكة، ولم يمنع أحد أن يستعين الناس بغيرهم من المخلوقين على ما يقدروا على فعله، وليس هو بمجيز للتوسل بالجاه، ولا هو من هذا الباب في شيء، فتنبه إلى ذلك ترشد إن شاء الله.
فصل
ومن أغرب الحجج التي احتج بها المؤلف على تقوية هذا الحديث: ادعاؤه بأن بعض الأمة قد انعقد عملها به، وأن ما انعقد به عمل الأمة من الأحاديث، وإن كانت ضعيفة السند، فهي مقبولة.
قال المؤلف (ص:229) :
(إذا ورد حديث بسند ضعيف يصير من قسم المقبول الذي هو أعم من الصحيح والحسن إذا تلقته الأمة بالقبول، أما إذا عمل به بعض الأمة - كحديثنا هذا - ففي عملهم تقوية له) .
وقال (ص: 230) :
(والحاصل أن للناقد مسلكين في تقوية هذا الحديث:
أحدهما: تقويته بالشواهد، فيصير حسنًا، ولا ريب في ذلك.
ثانيهما: تقويته بعمل الأمة به.
وأحد المسلكين أقوى من الآخر).
قلت: هذه المسألة، أقصد مسألة الحكم على الحديث بالقبول إذا تأيد بعمل الأمة مما تفرد به بعض المتأخرين، وأما المتقدمون، فلا يذهبون إلى مثل هذه التقوية، وتفصيل هذه المسألة كما يلي:
قال السيوطي في الحديث المقبول في"البحر الذي ذخر":
"ما تلقاه العلماء بالقبول وإن لم يكن له إسناد صحيح".
وقال في"التعقبات على الموضوعات":
"قد صرح غير واحد بأن من دليل صحة الحديث قول أهل العلم به، وإن لم يكن له إسناد صحيح".
قلت: قد نُقلت بعض العبارات في ذلك عن ابن الهمام، وأبي إسحاق الأسفرائيني.
واغتر من أطلق القول بذلك ما ورد عن الشافعي - رحمه الله - أنه قال:
"وما قلت: يعني في تنجيس الماء بحلول النجاسة فيه من أنه إذا تغير طعم الماء أو ريحه أو لونه يروي عن النبي صلى الله عليه وسلم من وجه لا يثبت أهل الحديث مثله، لكنه قول العامة، لا أعلم بينهم خلافه".